القصة القصيرة جدا

جرعة

..ماما،بابا..ماما، بابا..ما…با.!
..لا احد..سوى صوتٍ يتردد كصوتي، على لسان اخي يقلد كلامي ساخرا، ليستفزني.! اخرج من بيت..ادخل آخر..انادي..يتكرر نفس الصوت..ولا اعثر على احد..؟
لااحد…سواي.؟ واصوات..؟ اصوات بلااجساد..؟ كالريح لاجسد لها؛ الريح صوت يكنس الاجساد..؟
تلمسْتُ جسدي..! فتحتُ فمي :
– ما..ء، ما..ء.!
ازداد رعبي..اختلط صوتي بصوت خروف، وبصوت العطش.! ماء..يقولها الخروف، كما نقولها عطشا.!
خروف وحيد عطشان :
– ماء ماء ماء..
لأمه الغائبة :
– ماء ماء ماء..
للماء :
– ماء ماء ماء..
للرعب :
– ماء ماء ماء..
للموت :
– ماء ماء ماء..
لااحد..سوى الخروف الراكض، في دائرة مغلقة، من تلخبط الاتجاهات :
– ماء ماء ماء..!
باب الدار مقفل كفم جامد..النوافذ عيون مغمضة..الريح شخير وحش يضع الدار في مهب خياشيمه.! لااحد..سوى اصوات انحبست داخل صدر اخرسه الرعب.! الدار صدر اخرسه الرعب..!
متى..والى اين ذهبوا.!؟ تركوني..هم الذين ما اعتادوا ان يتركوني.!؟ هل كنتُ نائما، واستيقظتُ.!؟ ام اني نائم، ولا استطيع الاستيقاظ.!؟ من يخبرني..!؟ من يوقظني..!؟
لااحد..سوى صوتي الممتد من لساني كلجام يجرني من بيت الى آخر..! لااحد مختبأ في الزوايا، او تحت الوسائد..فقط دمية اختي هادئة، مبتسمة، تتابعني بعيون وديعة..! انفغر فمي، وابتلع موجة رعب اخرى، وغار صوتي الى داخلي..! احسستُ ان كل كلمة اخرى، من لساني، ستجمدني الى الابد..! مددتُ يدي الى الدمية، الهادئة وسط كل هذا الرعب.! لم تطلها..!
ظلت مبتسمة، وديعة..! مددتُ يدي المرتجفة مرة اخرى..رأيتها تتقلص..لم استطع ان اصرخ، خشية ان اتجمد، فتجمدت الصرخة في حلقي اليابس..! لم تطاوعني يدي الممدودة؛ ظلت ممدودة، وظلت تتقلص..؟ صارت صرختي المحتبسة هلعا، من جلطة رعب ستفجرني اشلاءا..اندفعتُ هاربا، وانا ارى يداي تتقلصان الى حد جعلهما شبيهتين بقوائم الزواحف.! فتحتُ الباب، وقفزتُ الى الخارج..خبطتِ الريح الباب ورائي، فانغلق محدثا رجة، جعلتني افتح عيني الواهنتين..طلبتُ جرعة ماء باشارة من يدي الثقيلة..سمعتهم يتذمرون من الامطار التي لم تتوقف، لتتيح لهم حملي الى الطريق، لتقلني سيارة الاسعاف الى المشفى..
اغمضتُ عيني، من جديد، وتركتهم يكملون…!

السابق
رسالة مسحوقة
التالي
حليمة

اترك تعليقاً

*