القصة القصيرة

جزيرة البط

استجننوه… لما طلب منهم ألا يطفئوا مصابيح الزنازين في الصباح: فلا صباح يأتي خلف جدران السجون.
و استجننوه… لما رسم بقطرات دمه في سقف الزنزانة شمسا ضاحكة بين غمامتين كئيبتين: فرسم الدفء في الصقيع قد يبعث على الدفء.
كانت ليلة شؤم …
لم يستطع أن يغالب دموعه و هي تسيل معربدة على خده الأسمر المكتنز و لحيته النابتة حديثا ليستحيل معها كوب شايه مرا علقما.
يركز ظهره على الكرسي الخشبي المبطن بالبردي مداريا وجهه براحتيه ليسترسل في نحيب مكتوم
كانت ساعة مغربية و الليل ينفخ سواده في الأفق و عم حسن الرجل الستيني صاحب “الغرزة” يشعل “رتينة” “الكلوب” بيد مرتعشة في حذر ليواجه نوره وحيدا في جسارة الظلام القادم بسرعة الريح.
رذاذ الأمواج المتلاطمة علي الصخور تحتهم لطفت شيئا يسيرا من الحر القائظ، هي الشيء الوحيد المسموع في المكان ليضحي صوت تصادمها كصفعات الفتوات على قفا الحرافيش في الأزقة.
تعلقت كل العيون بالراديو العتيق الوحيد بقرية شكشكوك النائمة في حضن بركة قارون و النساء يتربصن فوق الأسطح ينتظرن البشارة.
صاخت كل الآذان لسماع بيان عاجل ينتظره الجميع و يخمنه الكل إلا هو. و كأن على رؤوسهم الطير و هم ينصتون مساء يوم سبت لبيان تنحي الملك فاروق لولي عهده و مغادرته البلاد على يخته المحروسة.
لو كان يعلم ما سيلاقيه في مقبل الأيام جراء دموعه تلك لكتمها حتى و لو فاضت روحه و لهتف منافقا معلنا فرحته في عصبية و تشنج مع الهاتفين
يسقط الملك فاروق
يسقط الملك فاروق
عاد إلي بيته يجرجر قدميه في حزن لم يعرفه إلا مع وجع فقدان والده منذ عام، متجاهلا سهام العيون المرشوقة في قلبه ليرتمي على مصطبة للنوم في بيته و يبكي بكاءا مريرا ثقيلا و يعلو صوته بالنشيج بلا خوف و هو قابض على قصاصة من مجلة بها صورته مع الملك فاروق و هو يحمل عنه البط، تحتها بخط صغير بالعربية و الإنجليزية
[الملك فاروق في رحلة صيد البط بالفيوم عام ١٩٤٦]
[ King Farouk in a Duck Hunting Trip in Fayoum in 1946 ]
بعدها بشهور كان البوليس السياسي في بيته ليعتقله بتهمة الرجعية و معاداة الثورة و قيام الجمهورية لم يكن يعرف ساعتها ما معنى الرجعية و لا ثورة أو جمهورية أصلا، و دليل اتهامه دموعه الغزيرة على الغرزة تلك الليلة أمام الجميع و قصاصة من مجلة تجمعه بالشيطان الملك.
……….
– شدي حيلك يا امه أنا كدة هتأخر
– الملك في الاوبرج و زمانه على وصول
+ حاضر يا حربي بجهزلك الهدوم أهوه “و هي ممسكة بإبرة و خيط”
يرتدى بنطلون لأبيه كان يلبسه في رحلات صيده بعد أن “أيفته” أمه ليصبح على مقاسه و برنيطة صيادين على رأسه، ممسكا بالصفارة و قد علقها إلى عنقه بفتلة دوبارة: نعم الصفارة فدوره ينحصر في الصفير.
هو و الملك في لبدة ككمين للبط المهاجر وسط البحيرة يختبآن خلف سعف النخيل و البوص و حولهما “الخيَّالات” في المياة مربوطة بالحبال و الملك ممسكا بندقيته الخرطوش متربصا بهبوط البط المحلق فوق رأسيهما
كان يمكنه إصدار ثلاثة أصوات مختلفة بمهارة فائقة لذلك وقع الاختيار عليه من العمدة، صوت طعام، صوت أنثى، صوت ترحيب.
+ أسمك اية ولد؟
– حربي يا بيه
+ بيه؟ أنا بيه؟ ههههه
+ إنت شاطر كتير حربي
بط وفير من كل الأنواع و الملك في منتهي السعادة، براءة في عينيه أشعرته نحوه بألفة و ود.
+ صفر حربي صفر كمان
لينفحه الملك جنيه و بطتين في آخر اليوم و وعده بأنه سيكون رفيقه في رحلة صيده القادمة.
خمسة عشر عاما في المعتقل لم ينس هذا المشهد يوما بل كان هو سلوته الوحيدة. يا لقسوة الحياة نفس المشهد سر سعادته و سبب شقائه.
خمسة عشر عاما كاملة نهبت من عمره نهبا بلا مبرر بلا محاكمة أو دفاع عزاؤه الوحيد إنه مازال شابا في الخامسة و التلاثين.
خمسة عشر عاما كاملة صار فيها شيوعيا مرة و ربى “سكسوكة” و قرأ لماركس و لينين ثم أصبح إخوان مسلمين و أطلق لحية خفيفة مهندمة و طبع على سحنته ابتسامة لزجة لا تغيب و قرأ لحسن البنا و الهضيبي
ثم كفر بالأثنين و أصبح لا شيء لا منتمي يكره التنظيمات بحدتها و قساوتها و دغمائيتها و يمقت السياسة بلزوجتها و ميوعتها و ديماجوجيتها.
خرج بعد النكسة فى عفو جماعي فلم يعرف يوما لماذا اعتقل و لا لماذا أو من أفرج عنه؟
لم يكن أحد بانتظاره سوى بوابة السجن الحربي- و قد انفتح خلالها باب صغير كطاقة نور يسمح بخروجك منحنيا- و ملابسه الرثة التي اعتقل بها و محفظته الجلد الطبيعي التي ورثها عن أبيه.
ساقته قدماه إلى نفس المكان القديم “جزيرة البط” حيث يتجمع البط المهاجر في استراحة سفر.
تعانق خطواته تراب الأرض في شوق محموم، يبصق عصارة أعوام القهر أمامه كالدليل، تتساقط عن كاهله عذابات و ذل السجن و السجان، تاركة على جلده علامات لن تنمحي، لم يزل قويا فتيا، و لكنه بدا منحنيا مقوسا فلم يعد بمقدوره صلب عوده بما يكفي، كأحدب نوتردام لا يستطيع النظر إلى السماء إلا لو أستلقى بظهره على الأرض.
تذكر أنه حرا أخيرا فطوح يداه كمن يسبح في الفراغ و أخذ نفسا عميقا طال انتظاره، يدندن بلا وعي أغنية جرت عنوة على لسانه.
علي عليوة ياللي
ضرب الزميرة ياللي
ضربها حربي ياللي
نطت في قلبي ياللي
أي ديناميكية عجيبة تدير تروس تلك الذاكرة؟ أشياء تطفر بدون مقدمات بلا داعي و أشياء تغوص بلا رجعة وقت الحاجة. مع إحساسك أنك القابض على زمامها لا تستطيع أن تحجب ظهورا أو أن تنبش مطمورا.
لما رأى سرب بط يحلق فوق رأسه شعر نحوهم بألفة لم يجدها مع أخوة و أهل قد تبرأوا منه فور اعتقاله فلم يزوره أحد طيلة مدة سجنه بعدما ماتت أمه حزنا على فراقه.
دعك رأسه بقوة مختبرا معلوماته أي نوع من البط هو؟
– شرشير ولا حمراوي ولا زرقاوي ولا خضاري و لا أبو فرو؟
يسأله أباه في مكر و قد ارتسمت صورته على صفحة الماء.
+ استنى يا آبه متقولش…”واضعا أصابعه النحيلة على فمه ليمنعه من الإجابة”
+ لا و لا أي نوع من دول كلهم. “قال غامزا لأبيه في ثقة”
لتغيب صورته بإبتسامة رضا يشوبها قلق مع موجة صنعتها نسمة رقيقة مفاجئة.
أمسك صفارته ليطلق رسالة ترحيب بسرب البط “البلبول” المتردد فوق رأسه، تبحث عيناه عن قائده، خبرته علمته كيف يستدل عليه ليراقبه منتظرا أن يصدر إشارة الهبوط للسرب.
لم يكن يملك بندقية خرطوش و لا حتى شبكة ليصطاد و حتى لو كان يملك ما فعل.
تربع علي الشاطيء و دموعه تروي رمال اسودت من الظمأ دس يده في جيبه ليجد صفارة البط ما تزال بداخله.
وجد حاله في نفس المكان الذى كان يجلس فيه مع أبيه يلاغي البط المهاجر من برودة موطنه في شتاء كل عام ليصطادوه بالشباك.
يسحب نفسا طويلا من نسيم بارد شهي و ينفخ بقوة في الصفارة و هو يرنو للسرب في السماء و لم يستدل بعد على قائده.
و لدهشته لم تزفر عنها بطبطة البط المعتادة أو إشارة الترحيب كما قصد بل خرج زفيره منها عاليا، مجلجلا، حادا كصافرة قطار يودع محطته ذات ليل بهيم، ميقظا الركاب النائمين على رصيفه بلا هوادة، بتذكرة ذهاب بلا عودة، صافرة تجعل السرب يتشتت و يغير وجهته ليلتئم مرة أخرى محلقا بعيدا خلف قائده المجهول.
ألقى صفارته مستاءا و قد استطاع أن يغالب دموعه هذه المرة
و أخذ يدندن بصوت مجروح و لكنه أعلى و أوضح
علي عليوة ياللي
ضرب الزميرة ياللي
ضربها حربي ياللي
نطت في قلبي ياللي

السابق
القبضةٌ
التالي
هَيْبَةٌ

اترك تعليقاً

*