مقالات

جماليات البناء في الكلام

في حضيرة اللغة المتكلم بناء متذوق ،يعرف قيمة الآجرة ، يحق جغرافية الحائط حق المعرفة ،ويعرف موقع كل آجرة ومكانها بدقة متناهية تأخذ من الناظر القلب قبل العين ، متكلم يدخل عالم اللغة ، يغوص في فوضاها ، يجدهافضاء فوضويا فيه مقولات لغوية من مختلفة المعاني والدلالات ، فيه ما يدل على معنى في نفسه وما يدل على معنى في غيره وفي نفسه وفيه ما يتوقف وجوده على وجود غيره كالملح من الطعام ، يختار من كل جنس ولون ، يفرش بساط خلفيته الثقافية التاريخية والدينية والتكونية ، ويبدأ في بناء النسق اللغوي كجملة ثم كنص ثم كجنس أدبي سيصنف فيما بعد من طرف القاريء الحذق والناقد الموضوعي الذي يحسن الهدم والتفكيك من أجل إعادة الجمع والبناء ،متكلم كالصيرفي يحسن ترتيب اللؤلؤ في العقد ويطبعه بلمسة ذوقه الفنية ،يضع الفعل ويسند إليه فاعله على مستوى منطوق النص فتكون الجملة إخبارية مباشرة تنقل معنى معينا من مرسل إلى متلق ، فلا تتعدى هذه الجملة حدود الواقع ، أو أنه يقوم باختطاف الكلمة من موقعها الأصلي وإسنادها لكلمة تتعارض معها وتختلف عنها في المقومات والخصائص فينزاح عن المألوف ، ويقع الخرق لمنطوق الجملة ،يقوم هذا ( البناء / المبدع )بخلق التآلف والانسجام بين ما اختلف من كلام ويجمع أعناق ما تنافر منه ، فتحصل مزية الكلمة بجمال ما بعدها ، أو ما قبلها وتجمل بغيرها مما يجاورها أو يباعدها مرتبطا بها برابط لفظي أو معنو ي نستقيه من السياق ،وتستمر عملية التركيب والإسناد وفق مستوى كل مبدع ، إلى أن نصل إلى قمة الإبداع، ( ألبس ثوب عريي وبؤسي القرمزي ) فيحصل الاندهاش وتتحقق نشوة المتعة الفنية ، فنقول رائع ،،رائع ،هذا كلام تفرد به فلان وما قاله غيره هو خلق وأبدع هذا على غير سابقه ، ولعمري هذا هو الإبداع الحقيقي وإن كان الخلق من لا موجود سابق من باب العبث فأنت تعجن وتطبخ وتخرج بلون جديد تختلف من خلاله عن غيرك . نستعذب هذه الكلمة في هذا السياق ونستصغرها في سياق آخر نحتقرها هنا ونعظمها هناك ، فنقول في الأول أجاد وأحسن التعبير وخلق الصورة الرائعة التي تحمل المتلقي إلى عالم المتعة الفنية فيبحر في بحار اللغة بدون مجاذيف ،ونقول في الثاني كلامه ركيك تافه لا يؤدي أية وظيفة فنية ولا يخلق أية متعة في النفس ، فنستصغره وننفر من كلامه أو مكتوبه ، وتنحط قيمته في نظر المتلقي ،فيقذفه مع نصه في زبالة اللغة ، ولعمري إن الإدهاش والإعجاب لا يحصل إلا بالغريب والعجيب في التركيب ، كالجمع بين المعقول والمحسوس كقولنا (تأكل النار الحسنات كما تأكل النار الحطب ) أو قولنا (وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا) يحصل جمال التركيب بإسناد الكلمات بعضها إلى بعض ،( فأكل) فعل مستعار ( مأخود ) من حي نام متغذ ، ومسند ،إلى ما لا يناسبه في هذه المقومات والخصائص ،فأجود الكلام ( شدة اختلاف في شدة ائتلاف ) فالجمال إذن في الإبداع يحصل من خلال الانزياح وبلاغة الغموض ، وهذا وذاك لا يتحقق إلا من خلال مبدأ الاختلاف في التجاور والعلاقة التي تجمع ما اختلف من كلمات ، فتومض في سياق الجملة وميض البرق في خضم تركيب محبوك جميل ورائع يسيل لعاب ذائقة التذوق الفني للمتلقي ، هنا لا أتحدث عن لغة الشعراء وإنما أتحدث عن الكلام بصفة عامة ، سواء كان أدبا أو غير أدب ، فحتى في حياتنا اليومية وفي أحاديثنا العادية في الشارع أو البيت أو المدرسة يحسن الكلام من خلال التجاور فنرتاح لحديث هذا ويستفز ذوقنا ذاك ، هو التجاور والإسناد والاختلاف والائتلاف أساس جمال الكلام والإبداع فلا إبداع دون تحقق ما أشرنا إليه !!!.

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
خيانة مشروعة
التالي
وفاء …

اترك تعليقاً

*