القصة القصيرة

جناح الحمامة

جموع من القراد ترابي اللون ، تلتصق بصدر ذلك الشامخ المترامي الأطراف من الحضيض الى القمة :طفلة صغيرة مذعورة من كوابيس العتمة ،تتمسك بتلابيب أمها الغارقة في نومها العميق،ابوابها ونوافدها تبدو من بعيد كرماد نجعة قديمة ،تنتشر هنا ..هناك ..في كل مكان ،من رأسه الى أخمص قدميه .لم تكن لتميز بين هذه البيوت الطينية ، كانت كلها متشابهة ،حتى أناسها متشابهون: سحنة حادة حنطية اللون موشومة برسوم أشبه بالأخاديد ، خطتها كرة اللهب اليومية .
يسود صمت رهيب تخلخل قدسيته زقزقة العصافير في أعالي الأشجار ،نباح كلاب مدللة او متشردة ،نباحها لا يشي بوضعها .رنين فؤوس ومعاول تحت رحمة سواعد مجتهدة ،تشق السواقي ، تحرر مجاري المياه المندفعة ،لتعانق الحقول والغيطان العطشى ، تطفئ فيها حرقة الضمأ .
*كانت حياة هؤلاء الفلاحين ،رتيبة ،مملة ،اليوم أشبه بالبارحة ، تجود عليهم الحقول بحبيبات ،الخير والبركة ،والبيادر بأكياس الحنطة المملوءة حد الانفجار ، يسمونها ( الربح والنعمة ) ،والحضائر بعجولة سمينةتملأ العين ،تمتلئ الجيوب حد التخمة ،ويعم الخير تلك البيوت ،المنتشرة هنا وهناك .تعم الحركة .تندحر الرتابة .يقوض الجمود خيمه،تحيا الحياة و يموت الموت ،كانوا يعرفون بأن هذا كأضغاث أحلام سرعان ما ينقشع كسحابة صيف عابرة .حلم يقظة . فليغتنموا الفرصة الجميلة وليضربوا في الحياة طولا وعرضا .
*تململ الشيخ(عازف الكمنجة)فوق ذلك الحصير البراق الالوان االمطرز برسوم جميلة تليق بمقامه ،اعتدل في جلسته ،وعدل عش اللقلاق الباهت فوق رأسه المسطح العريص،وأماله، جهة اليمين ، داعبت رؤوس أصابعه الأوتار، بخفة ورشاقة ، يختبرها ليعرف ما ستجود به من نغمات وألحان شعبية ،تغير ما بأنفس هؤلاء القوم ، ولو لهذه الليلة.
* ( لكريدة) قنبلة موقوتة تفجر المكبوت ،وتفضح المسكوت عنه ، وتزيل عن هؤلاء البسطاء ستار الحياء والحشمة ،وتعتصر من نفوسهم حموضة الكبت الدفين .
*تفتح هذه الهرة الأيروتيكية حقيبتها اليدوية .تخرج أحمر شفاه يبدو أنه من النوع الرخيص (من الصنع الصيني ).لا بأس فهم لا يعرفون أصلا ماذا يعني هذا الأحمر الشفاه ولا يعرفون لا في الماركات ولا في التقليعات شيئا ،تتعطر ،تتبرج ،بحركات شبقية تدغدغ فيهم الغريزة المكبوتة ، وتوقض في أنفسهم عش الدبور ،من حين لآخر يعالجها أ حد المتطفلين من وراء الستائربشتم أو غزل بدوي مقزز جاف ،ليستفز ردود فعلها الانثوية المبالغ فيها والتي تشعل في أنفسهم نار العشق الجماعي الذي يلتقي فيه الأب والإبن على حد سواء فلحمها مباح لجميع تلك النظرات العطشى التي تجردها من ملابسها من حمالة الصدر إلى التبان ،من الرأس إلى أخمص القدمين.من حين لآخرتسترق النظر في تلك الوجوه التي فعل فيها البؤس فعله ورسم عليها رسوما من مختلف الأشكال .
*شقت الزغاريد من وراء الستائر هدوء الليل ،واختلطت بتكبيرات الرجال المتحمسين كثيرا لهز الأرداف وحركات البطن .كان الشيخ قد انتهى لتوه من رقصة شعبية يحبها هؤلاء البسطاء .على إيقاع الأوتار المرتجفة والبندير و (القعدة) اقتلعت لكريدة جسمها من على الحصير اقتلاعا متظاهرة بالعياء وتدافعت بقامتها الهيفاء كالقطاة إلى مورد الماء ،قبل بداية الحفل لتستفز مشاعرهم ،تحركت هذه الأفعى طاووسا متبخترا في جماله نافشا ريشه ،وفي خيلاء وغنج أنثوي ،بدأت تتلاعب بتلابيب قفطانها المزركش ،وتتلوى كالحية تترقب طريدة ،كانت تتحرك بين الصفوف والنظرات الجائعة تلتهمها،واللعاب يسيل و الريق يبتلع. تتصنع الابتسامة لهذا ،وتغمز آخر ابتسم له الحظ ليحظى بسهم من سهامها القاتلة .هذا الغنج الأنثوي الشبقي المبالغ فيه ،يجعل هؤلاء القرويين يجترون حموضة كبتهم لسنوات .كيف لا !؟ لقد ملوا روائح المطبخ من ثوم وبصل وتوابل مختلفة في لحظاتهم الحميمية ،وفي بعض الأحيان حتى روائح براز الأولاد ! فما ذنبهن ؟! مشاغل البيت ، وتربية المواشي والأولاد.والعمل في الغيطان ! اما لكريدة تلك العاهرة المتبرجة ،فليس لها ما يشغلها :
لا زوج ،لا أولاد ، لا تابع ولا متبوع،،فما الذي سيمنعها من صقل جمالها والإهتمام بمظهرها .؟! لكننا -نحن-أجمل منها .جمالنا طبعي ، وليس جمال دكاكين زينة مصطنعة.
جمالنا- نحن- ذاب بحرارة لفح الشمس ويبس بلسعات البرد القارس .صدورنا ترهلت وارتخت ،فقد أطعمنا هذا وذاك وهذه وتلك ،من اقتاتوا من هذه الصدور المترهلة هم الذين يتلذذون بجمال هذه الهرة المتبرجةاليوم.
* كانت لكريدة هاجسا حقيقيا لنساء القرية .فما نعقت في بيت كالبوم إلا دمر وأصابه الخراب :تطلق الزوجة ، يهيم الزوج على وجهه ويشرد الأولاد،. أما الرجال فيرونها نعمة من الله ،تطرد شبح الملل الجاثم على صدورهم طول العام . فكم وضعت يدا في يد .وكانت الدرية والسلالة الصالحة ؟! أما غير ذلك فأفكار ووساوس نسائية لا أقل ولا أكثر ،
*يشيعه نباح الكلاب،تحت جنح الليل، والأعشاب اليابسة تتهشم تحت نعله، جاء بو كريشة متسللا يدفع أمامه كرته الثقيلة ويجر وراءه حدبة جمل مكتنزة ،يلتصق بالأرض التصاقا . يدخل وعيناه شاردتان تبحثان عن لكريدة .تلتصقان بجسدها .تفترسان مفاتنها،ويروي ضمأ كبته من جمالها الأخاذ.كثيرا ما افترى عليها الأكاذيب ،أمام أقرانه كان يدعي أنه على علاقة سرية بها .
*.تخطى رقاب الحاضرين .وجانب الفرقة ،وترك كتلته اللحمية تهوي بصعوبة كبيرة .صاح المقدم (من علية القوم) :
-ما هذا الفتور يا جميلة الجميلات ؟! فما ألفناك إلا خدروفا لا يتوقف عن الحركة ،لا يعرف الملل والكل !!
* تقدم واقترب منها حتى كاد وجهه يلمس وجهها ودس بين نهديها ورقة نقدبة زرقاء يسميها أعضاء الفرقة (جناح الحمامة ) والحمامة لا تطير بجناح واحد ، فكان على (المقدم) ان يدس ورقة أخرى هذه المرة قرب مهوى القرط منها ،والجناحان: ورقتان نقديتان، إذن الحمامة ستحلق بهذه الجماهير الغفيرة في عالم غير عالمهم ،ستنومهم فيصبح الطريق سالكا لجيوبهم .قصد انتزاع اكبر عدد ممكن من (جناح الحمام) .
*التهبت أصابع ا
منذ 15 ساعة
الشيخ. حركت لكريدة ردفيها بشبقية إيروتكية و بدأت تتلاعب بتلافيف بطنها الذي ظهر عليه الترهل والارتخاء ،وبرقصة جميلة على( القعدة) أيقظت لهيب الغرائز المخنوقة .وقضمت رأس( الطابو) في النفوس ،ومزقت ستائر الحياء بين الأب وابنته بين الإبن وأمه .وليمت هذا الحياء ما دام سيحيى ويعود من جديد قبل الخيوط الأولى من نورالفجر،امتزج إيقاع الكمنجة( بالقعدة) والبندير .برقصة ألسنة النساء المحصنات المتلصصة من وراء الستائر وشقوق الأبواب و من الثقوب.
* ثمة مجموعة مخمورة من الشباب تتبادل الكلمات المبتدلة ساخرة من( بوكريشة) كانوا يعرفون أن لكريدة نقطة ضعفه .تحسس بوكريشة شكارته المشنوقة على عنقه فتحها وإستل منها سيجارة طويلة شقراء أمريكية الصنع .اقتناها من السوق الأسبوعي بالتقسيط. يتباهى بها أمام أقرانه .امتص دفعة من الدخان ، تركه يتسلل بسلاسة من أنفه وعيناه لا تفارقان( لكريدة) .أشفع ذلك بامتصاص قوي هذه المرة ،بدأت الحلقات تجتاز الرؤوس المكدسة ،وتنتشر في المكان .تحت احتجاج البعض، وتلذذ الآخر ، وهناك من أصابه الدوار والغثيان . لعب التبغ المستورد بعقله وبالغ في التحرش بلكريدة . تحسس كرشه المكورة المستلقية أمامه وحاد عنها بعض الشئ .فشعر بانتفاخ لذيذ بين فخذيه. دس يده في شكارته المتدلية من عنقه الى خاصرته.كيف لا وقد استأمنها على ثمن عجلين سمينين أقحمهما في السوق الأسبوعي تحسبا لمصاريف هذه الليلة ؟! أميرته لكريدة سيدة هذه الليلة .أخرج (جناحين )دفعة واحدة متحديا( المقدم) وطمعا في عطف هذه الذئبة المتمنعة حاول التقاط نفسه من الأرض .ليقوم بالواجب تجاه لكريدة فيدس( الجناحين )بين نهديها ، كما فعل المقدم .إلا أن وزنه الزائد .والزحام الذي كان يعتصره بين جموع المتفرجين .حالا دون إنجازه لهذه المهة المهمة .اقتنص ابنه اليافع مندسا بين الجموع ،أشار إليه بسبابته .كالبرق كان أمامه وأمره :
– الورقتين علقهما للشيخة لكريدة في عنقها أوفي أي مكان.!!
* بحركة بهلوانة وبلمح البصر كان الطفل وجها لوجه أمام لكريدة ،هم بتنفيد أوامر أبيه لكنها منعته بلطف وربتت على رأسه و قالت له :
-لا يا ولدي لازلت صغيرا على هذا ، إنه عالم الكبار ،أما أنت فلا زلت صفحة بيضاء لم تدنسها ملذات الحاة بعد،.أنت يا ولدي أولى بهذه النقود،خذها واشتر لك سروالا جميلا تتباهى به أمام أقرانك عوض هذه الخرقة البالية ! أما أبوك فإنه قادر على شراء أي شئ إلا سروالك أنت ،أتعرف يا ولدي لماذا ؟! لأنه ليس أهلا للأبوة :جثة فيل وعقل حشرة .إلا لحم لكريدة الغزال، ولحم الغزال طيع للسباع ،عصي، قصي على الضباع. فأنالست له ولا لأمثاله :
-قل له ياولدي : كفاك تحرشا ،كفاك مضايقات ،فلن تكون آخر من تفكر فيه لكريدة الأبية العزيزة النفس.!!
*أحست لكريدة أنها أشفت غليلها من هذا الكلب المستكرش الذي لا يصلح لشئ انتابت الحاضرين نوبة هستيرية من الضحك شماتة في هذا المتعجرف الذي يعبد ثمن العجول،سالت دموع البعض ،وارتمى آخر على قفاه ،اختلطت الحشرجة والسعال والضحك وعمت الفوضى ،ولكريدة تمطر بوابل من التصفيقات ،وعلامات الرضى بادية على الوجوه.
*لفظ الجو المشحون بالعنف اللفظي بوكريشة إلى الخارج ،اذ لم يجد بدا من التسلل تحت جنح اللل ،رأسه في الوحل، تطارده قهقهات لكريدة الساخرة ،وغاص في عمق الظلام وهو يردد :العاهرة !العاهرة! كسرت ظهري أمام أعدائي،سأنتقم منك لا محالة.
——————————–
الشكارة: حافظة تقليدية كبيرة يستعملها البدو لجمع نقودهم وأشيائهم الخاصة.

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
منفى اختياري
التالي
أسير

اترك تعليقاً

*