القصة القصيرة

حادثة شرف

ينبعث الصياح و العويل من ركن إحدى الغرف. وينتبه من في المنزل فيهرع . الدرّاجة ملقاة جانبا و مازالت عجلتها الخلفية تدور ، و الأمّ تمسك بابنتها الصغرى تشبعا ضربا . البنت تبكي و تصيح و الأمّ تنشج في هستيريا لا مثيل لها. و بشقّ الأنفس افتكوا البنت من بين براثنها و قد جحظت عيناها. همس البعض:”لا شك أن الخطب تنوء به الجبال الراسيات”. أمسكت الأم رأسها بين كفيها مستندة إلى قاعدة النافذة المطلة على الفضاء الخارجي و مازالت تنشج . ثم ألفيتها تهدأ فتسرّح ناظريها في الأفق السحيق بعيدا .. بعيدا . انثالت الذكريات و تتالت صورها في ذهنها في وضوح نادر. تذكّرت يوم لبست الفستان الأبيض حلم حياتها و انتقلت من بيت عزّ و شرف إلى بيت عزّ و شرف ، و زفت إليه. كفكفت عبراتها الحارّة المنسكبة لتوّها. تذكّرت أباها الحاج “علي” كبير الحارة ، تذكّرت “تبرة ” أمها التي ألفتها نسوة الحيّ لجمالها و ظرفها . أخرجت زفرة من صدرها تزيح بها همّا بحجم الجبال جاثما، علا صدرها. و بأنامل لدنة خلّلت بعض خصلات شعرها الفاحم، فزادت الصور وضوحا. تذكرت كيف سكنت من لداتها أخمص قلوبهنّ. أما “طاهر”، الشاب الوسيم فكان أسعدهم يوم خطب يدها ،و كاد قلبه يمزّق الحجاب الحاجز يوم جمعهما عشّ الزّوجية. ” عفيفة، يا الله .. لا فضّ فو من سمّاك”، كانت هذه أوّل همسة سمعتها منه.
تذكرت كيف عاشت تصطنع السعادة اصطناعا. و ما لبث أن تحوّل الجسد المتهالك إلى شبح ينتفض، صدرها يعلو و ينخفض، و يصيبه حرج ،كأنها تصّعّد في السماء ،و يسمع له صوت من الغرف الأخرى. ثم تنخرط في نوبة جديدة من النشيج و البكاء المبحوح. ابنتي.. فلذة كبدي.. كم أحبّك … أحبّك جدّا… معذرة … سامحيني. الدراجة ؟ لماذا تركبين الدراجة؟ الدراجة للذكور، لأخيك، لك عروسك القطنية أتسمعين ..؟ كان لسانها يلجلج بهذه العبارات بين كل زفرة و زفرة. ثم يغشاها ما يشبه الدوار .
و ترتفع درجة حرارتها . تتسارع وتيرة تنفسها ، و تنخرط في هذيان من ألمّت به حمّى .نعم ذهبت إليه بملء إرادتي ،كانت “الدادة” تهّون عليّ ، بضع دقائق لا أكثر و يعود كل شيء كما كان. كلّ من في الدار يحيطون بالشّبح المتهالك يستمعون و لا يكادون يفقهون شيئا. فتلتقط آذانهم بعض العبارات الشاردة المبهمة. و قد رسخت بها ” درّاجة” … “سقوط “.. “دماء” ..”ترقيع “..جرّاح”…
أمّا طاهر فقد فكّ الطّلاسم ،فألفيناه يردّد بهدوء نادر و اطمئنان:” عفيفة .. نعم عفيفة … و ستبقين عفيفة “

السابق
تهاون
التالي
غباء

اترك تعليقاً

*