القصة القصيرة

حافيةٌ على ركْح مُلتهب

أدلفُ إلى الحي القديم ، نابذة الشوارع الكبيرة والواجهات البراقة لهذه المدينة العملاقة،أتشرب الطاقة الكامنة فيه، أتعقب روائح ماضٍ ليست للنسيان ،أشتمُّ أدخنة أفران عتيقة عابقة بعطر الخبز الطازج، أمتعض من بعض عفن حاضرمُتحضر، تفسخ “يورياه” على الحوائط المتخفية عن أنظار المارة ..وأقصد بعد سَكعي المُحبّب محل حلويات “باراكودا”.. الحوت الكبير المفترس المعلق بسلاسل كبيرة تآكلها الصدأ فاخضرت، يشكل لافتة المحل، تُحركه الريح فيصدر صرير أسنان غاضبة ،لا أدري ما سِرّ هذا الإسم المهيب ، ربما كان مطعم أسماك وفواكه بحر قبل أن يصبح ما هو عليه الآن.
لا أحب عادة كل ما هو حلو المذاق، لكن هذا المكان مميز كما فطائره، تشعر كأنك في بيتك، يحتضنك هدوءُه ،ويستحوذ عليك سحرُ أجوائه ..موائده وكراسيه من الخشب الطبيعي الخشن غير المصقول، يلامسه الماء فيتضوع شذا أشجار الأرز في فضائه الأزرق، أحرص أوْنَ تواجدي به أن أُريق القليل منه ليأخذني أرَجُها إلى مرْبَع السكينة والأكوازالمنفتحة الواهبة حباتها لحليماتي ، أستلقي على وريقاتها اللذيذة الوخز،هناك، حيث ترعرعت..أكاد أغفو ورأسي بين يدي وكوعيّ على الطاولة ، أخضع لسطوة المكان واستمرئ بطء مرور الوقت ..من ركني المنزوي تصلني دقات ساعة تقضم الثواني ، فوْح سكر يُكرمل ، وهمهمة كتاب وشعراء يستلهون اليراع خَلقا، همس عشاق تتلامس أيديهم حول الأكواب الدافئة في احتشام ،هفهفة أقدام ملكات وصكّ حوافر أحصنة وقعقعة جنودعلى رقعة شِطْرنج، وَ..صوت ملائكي يُصلّي من أجل مدينة السلام.
تأتي طلبيتي على طبق مفضض أنيق ، أقتطــــع القضمة الأولى من فوق لأسفل ، أتأمل صفرتها وسوادها وحمرتها قبل أن تستقر في فمي ، تستبد بي ، تُسفّرني إلى عوالم أوركيديات الفانيلا ،يقفز إلى ذهني وثائقي عن “أطفال الفانيلا” بمدغشقر، يعملون كالعبيد ولا يذهبون للمدارس.. كدت أن أبصقها ، تنتابني لذغة تأسٍّ ، يندفق فجأة مذاق الشوكولاتة الداكنة بعدها في حلقي حلوا يُخضع العقل ، ومُرّا صادما كذكريات أليمة.. يتحسن مزاجي وأطفو فوق غابات الأماَزون، طعام الآلهة هذا، يتقطر في كياني كالإكسير، ينسيني الأسى على شقاء الإنسان فوق المنبسطة أستقر في” سانْتا رِيتا” بالإكوادور وأطفق في غناء أهازيج أمازيغية لثمرات الكاكاو المتدلية في كسل من أشجارها أمعن في الإرتحال عبر نكهة الشوكو..يستعيدني عُنوة طعم فروكتوز الفراولة وطيبُها من هذياني ، ينفجر في حلقي لونها القرمزي ،تدغدغني حموضتها، تُرغم لساني على لوك اللقمة واستلذاذها، تزداد دقات قلبي وتتلون حدقتي باللون الوردي..تبدو لي الحياة حينها جديرعيشُها، وأشعربالرضا ..لقد دلّلت نفسي وأسعدتها قبل أن أقدم على دَهْورتِها ، تستحق مني حتما هذه التّقدمة المُستفلتــــة من قبضة الشّظف ، أضع ما بذمتي على الطاولة وإكرامية سخية وأخرج إلى شارع مكتظ امتص كل ما شعرت به من راحة ، تهوْلَــم جسدي وخــفّ تنشّطُه ، الكارت في حقيبتي ، أشرت لسيارة أجرة ، أبرزتها للسائق دون أن أنبس ببنت شفة، نظر إليها وأعادها لي وشبه ابتسامة يرتسم على حوافي فمه..نصل بعد أن اخترقنا المدينة من شرقها إلى غربها ، أنقـــده أجرته وأتوجه الى حيث سأباشر العمل..لا يفصله وجُرف هاوٍ إلى قعر الأطلسي، سوى شارع اصطفت على جوابنه علب العبث وأوكارالليل والمجون..وددتُ لو أولّي وجهي شطره ، أقفز وأتخطى الخيط الرفيع بين حاء وميم ، أو أٌعرٍض عمّا أنا مقبلة عليه ،أستدبــر البحر، يتشدّخ مَوجٌ على الجلاميد، تتردد رجّته الرهيبة على سطح انكساري فتتشقق عزيمتي.. يستقبلني مدير “المحل” بحفاوة دَبقـــة، عيناه الشبيهتان بعيني قاطور لم تدعا تفصيلا في جسدي لم تُعرّياه..يتفقد البضاعة ، يطلب مني أن أدور ليرى قفا العُملـــة ، لم ينقص إلا أن أفتح فمي كجُهانـــة مُستلَبة ليعُد أسناني، أكزّ عليها غيظا، يمد يده نحوي، نظرتي المدلهمة وسحنتي المتجهمة تُرجعانه خطوة إلى الوراء،يدعوني إلى وَجاره لمناقشة العمل..
أبادره..
– أنا هنا لشغل معيّن فحسب ،وهو الرقص ،لا أعمل ساقية ولا مرافقة للسكارى..أنهي وصلتي وأنصرف..مْتفقيــــن ؟
– “ما يكون غير خاطرك يا.. لَغزال ”
– لا غْزال ولا كُركدانْ، العقد لشهرواحد فقط وقد أحضرته وفيه كل التفاصيل..سأنتظر حتى تنهي قراءته وإن لم يرقك الأمر..أعود من حيث أتيت..
أخذ مني الورقة وأشر عليها بالموافقة ، ثم نادى على امرأة يُماثل وجهها لوحة لخبطها رسام مجنون ..
– خذي هذه “الواعرة” إلى قمرة الملابس والماكياج..
تخرج من المقصورة قمرا في تمام اكتماله..ترْتر وبريق وحرير يتهدّل من حولها ، يرقص قبل أن تتحرك..تنظر في مرآة الرواق، تُنكر نفسها ، تستنكرها المرآة ، لم تعرف نفسها ولا نفسها عرفتها و..السقوط إلى قبو الهاوية دوّى ودوّت معه أنغام وموسيقى وصراخ الثمالى..على عينيها قناع من المخمل الزمردي بريش طاووس أصرت على وضعه، سيضفي إثارة وغرابة ، تحجّجت ، حين رفضت المزينة أن تغطي وجهها ،الرئيس لن يكون راضيا ..فلينفلق ،أجابتها، يهتز جسدها البديع الممشوق على طرق الطبلة.. تتلوى ،تتوهج تحت الأضواء ، تتقوزح..تصعد مع نوتات الناي ..تتهادى مع نغمات العود تتماهى مع روحها وتتعالى على سُقط المكان وعفونة مرتاديه وسكرهم وعربدتهم ..تصعد ، تصعد حتى كأنها تلامس الثريا..تتخلى عنها الموسيقى، تخذلها في عِزّ سموقها على انحطاط البشر، تهبط على أرض ملآى نقوطا ، فاحت نفْطا وامْتِشانا وسطوا وأفيُونا، البساط أسْمك من أن تحس بها تحت قدميها الحافتين، لكن شعرت بها لاظِية كالسعير..تنحني تحيةَ..يفرقع تصفيقُ الصُّخب ليلاّ الخُشب بالنهار، يتأجج الهتاف ..تفوغ الأشداق بكلام الخلاعة والفسق، اللّحم جديد.. أسقطي القناع يا سا.. اللحم جديد…القناع..الطراااوة.. القناع ..سْترِيب ..سْتريبْ ..تنسحب متوليّة ..يكتنفها قهرمن ألقى بنفسه في أفواه بني أوى البَخْراء، ومن التهمت جسده عيون الضباع الصفراء ، تسرع في التخلص مما اختاروه لها زيا ، تمسح طبقات التبرج عن محياها ، تستردّه من يد العبث، تعيد لبس “تايورها” البسيط وعلى شعرها تضع الغطاء..تتجه نحو الباب دون أن تكلم أحدا، تصطدم بجسدين ضخمين يسُدانه في وجهها ، دخول الحمام ليس مثل خروجه ..يا ابنة الـ…يأتيها صوت مدير الصالة من خلفها..هناك من يطالب بك..يفرك إبهامه بسبابته كنخّاس ويومئ لهما أن…وللحظة لم تجد الأرض تحتها ، يتوقف الزمن ، يعجز عقلها عن التفكير، يكاد قلبها أن يحجم عن الخفقان، تتسارع الحيطان من حولها ، يفتح باب حجرة مغلقة نوافذها ومسدلة ستائر سميكة عليها ،لا تبدد ظلمة نصفها سوى أباجورة خافتة الضوء ، يُلقى بها كشوال تِبن على سرير غريب أمره، أوراق مالية من فئات وألوان وعملات مختلفة تغطيه..من خلال انفراجات يظهر لون الشرشف الأبيض، ناصعا مغريا إياها أن تزيج هذا الفاحش ، تعود لفقرها وطبيعتها وتستعيد حياتها ، أوتستسلم لموت أرحم مما يمكن أن يقع ، تحسست حولها علّها تجد ما تستخدمه ضدها..لا شيء غير خشخشة الأوراق تلك ، تجهش بالبكاء..تبوح للسرير بقهرها ويُتمها القسري ، ضيق ذات يدٍ أوصلتها لهذا المكان العفن، مرض أمها ، تعثر دراستها الجامعية ، واسترخاصها لنفسها..تستغفر ، تدعو، تبتهل وتعاود البكاء..في الركن المعتم من الغرفة الرجل الستيني، يرى ، يسمع ولا يحرك ساكنا، دمع هطال ينسكب من عينيه، يسقط على عبايته الحرير يخترقها يشعر بحرارته على صدره تماما محل القلب..
الوقت قارب على الثانية فجرا ..ولا صوت يأتي من أي مكان ، كأن الغرفة مصفحة ومعمولة خصيصا لشخص معين ونافذ..ولا شيء يحدث ولا أحد دخل عليها ولا هي حاولت الهرب .
يد تربت عليها وقد أخذتها غفوة تعب وإنهاك..تهب واقفة وجِلــة، تختل دورتها الدموية لثوانٍ ويعصف بها دوار، تسقط في شبه غيبوبة..تفيقها رشّــة ماء على وجهها وصوت حنـــون ..
– اِجمعي ما على السرير يا بُنيّة..ضعيه في حقيبتك ..حلال لك وعليك ، لن يمسك مكروه حارسي الشخصي سيوصلك لبيتكم.
.
.
.
– يا دكتورة أنت لا تنصتين إلي ..من دقائق وأنا أحكي لك عن قصتي وحياتي ورغبتي في التخلص من إدماني حياة الليل ..
أستعيد تركيزي ، أنظر إليها ..أتصورني في مكانها أستجدي عون طبيب نفساني لاستعادة توازني وبعض كرامتي ورأب صدع نفسيتي ..لوْلا…

السابق
فـارس النار
التالي
رفض

اترك تعليقاً

*