القصة القصيرة

حبيبي تمهل…

أخافها جداً, بل أحذرها أكثر من أنبوبة الغاز التي انفجرت في وجه جارتي نجاة قبل سنة من اليوم, فلم يبقى من تلك السنة إلا نصف وجهها, وبعض أيام من يديها والقدم… فلا أقربها مطلقاً في لحظاتيالمندفعة, كأن أخذ شيئاً أو أترك أخر, فكل أخر مُباح في قاموسي الخاص للنسيان إلا هي, فدائماً كغالباً لا أقترب منها مطلقاً, فالاقتراب من تلك الأنبوبة الألية قد يجعل أحدهم في خبر كان, فأكون بعده يا ليتني لم أكن…
فالموت هُنا أيها القارئ الكريم يرتدي نصف رداء الخطأ “لأننا نموت في هذا الوطن بطريقة فريدة تسمى بـ”فلان مات خطاء لا عمداً” ” فالناس لا تقصد قتل بعضها بعضاً, ولكن الموت يأخذهم صدفة…
فقد قتل حبيب نفسه موتاً, لأنه كان يعبث ببندقيته منذ بضعة أيام حينما رحل ولا زالت هند باقية تنتظر حبيباً أخر…
وقتلها أيهم حين كانت تُعد له الشاي, فتلطخ السكر بدمها الحار؛ فلم يأتي من قبلها الشاي ولم يسترح أخاها أيهم يوماً, لأن منطق البندقية العابث عجلة وموتاً لم يُمهل الشاي من الصبر أكثر…
أخبرته في تلك الظهيرة المحمومة شمساً أن يخرجها من المنزل, فما حاجتنا لها…! فنحن نُحب الحياة, ونحب بعضناكما تُحبنا الحياة بدورها, فلما عساها عذول يسرق لحظات الحُب الليلة من أعلى شُرفات القمرية…! فأنا أحب أن أضع بدلاً عنها سفينة منحوتة بمرفأ راسٍ على أرضيته الخشبية…. فأخبرني:
. حسناً, ولكن تمهلي قليلاً, حتى أجد لها مكان مناسباً يحتويها بمقاس أصغر وسعر أكبر.
فانتظرت بصمتي المرعب, أدخل من حجرة وأنفر من أخرى إلا تلك الحجرة القدرية, لا اطأها أبداً, فأنا أخاف المباغتات الفوضوية, التي تنزع الدم وسكره وتطرح الحياة بعصبية….
لم يسمع صوتي وندائي وأصم عيناه عن صمتي, لم يكن يعلم أن الأخبار تدور سراعاً في دولاب الحياة السريع دوراً, فما حدث هُناك قد يحدث في مكان أخر, كهذا المكان الذي نُحبه ونحب بعضنا فيه وتُحبنا الحياة فيه بدورها…
فكانت صلواتي الحذرة تُبدد بعض مخاوفي المنتظرة, فطيش الرجولة لا يتوقف حتى يُحدث ضجة قدرية تُفجر أقلام كُتبت منذ الأزلية, نعم هي الرجولة منفذة الأحكام القطعية.
أتى على غير موعده في ظهرية أخرى أكثر شمسية, كان منهكاً مُبدد القوى مبعثر الشعر قدماً وهيئة وذهناً بطريقة عبثية…. سألته:
. ما بك…؟ أخبرني بإجابة منتظرة:
. أولا تُريدين أن تخرج تلك الجنية, من أعلى هامات القمرية…؟
فرحت جداً وأخبرته في سعادة عارمة وصوت خائف يجر الكلمات حبلاً:
. نعم نعم, هل ستبيعها أم ستُقدمها كهديه…؟
ضاحكاً من شدة الارهاق والدوران في شوارع الفقر الحجرية:
. الناس لا تهدي في زمن القحط, فالجوع أهلك الرصاصات البشرية…
. صدقت يا عزيزي, ستبيعها إذن؟
. نعم سأبيعها لتاجر سلاح, ولكن,
ما بك, لماذا الآكن هذه؟
. حالتها رثه, ولن تُعطي سعر مقدر.
. قم بتنظيفها وأنا سأصنع لك الشاي بالسكر.
شجعته على إخراج تلك الحكاية الأزلية, لتبحث لها عن روح أخرى خارج منزلي إن كانت تقدر, وتخط بمداها الصاخب ما تُريد أن تفعل.
ففعل.
وفعلت.
ولكن القدر لم يمهل, فرصاصة الطيش برجولتها العبثية سبقت الجميع وراحت تدور في قاع الحجرة تبحث لها عن مخرج, عن مرفأ, عن شاطئ بشري تُنهي بها حكايتها الأولى, , , تركت الشاي يغلي أكثر, فقد أرعبني صوت صداها الذي لم أسمعه في منزلي قبلاً, ولكنني سمعت تلك القصص المتداولة صوتاً. . . ونحوه, بل نحوها هرعت وأنبوبة الغاز لم تنفجر بعد ولكن أشلاءه الدموية كانت من انفجرت قطعاً, ووجدت تلك الرصاصة النافذة صبراً مكانها الأخير وحققت نبوءتها المنتظرة. . .
لم أدركه, لم سعفه, لم أتحرك ساكناً, اكتفيت بالصياح والموت صخباً, أخبره بكل ما وأتيت من قوة وحرفاً:
. لا ترحل, لا تنتهي, لا تتبعثر, أرجوك, أتوسل إليك لا تفعل, سالم, سالم. . .
جاهدةأنفض عنه بأس الموت الملجم, بكلتا يدي الملطخة من نافورته الدموية, لا ترحل أتوسل إليك أن تتمهل. . .
ولكنه لم يفعل, لم يحتسي فنجان الشاي, لا لن يفعل.
فيا ليتني بعده لم أكن.

كاتبة وقاصة، ماجستير في الإرشاد النفسي.

السابق
جراد من عام الرمادة
التالي
الغَمُّ

اترك تعليقاً

*