متوالية

حبيبَها

(1)
عادتْ إليْه بعدَ قطيعةِ شهور؛ طلبتْ رسائلَها و بعضَ ما يخُصّها لديْه، فهي الآن مخطوبة.
سألَها: أتُحبّينَه؟، قالتْ: لا .. لكنّي أريدُ محْوَ آثارِ الماضي، لا أريدُ تشويشًا على حياتي الجديدة. سلّمها كلّ ما طلبتْ؛ نظرتْ إليْه باكيةً و قالتْ: كنتُ أُفضِّل أنْ تكونَ نذْلًا، رمتْ في وجهِه الرّسائل و مضتْ لا تلْوِي على شَيْء.
(2)
وقفَ مذهولًا يحاولُ استيعابَ الأمر، ثمّ لمْلَم رسائلها و عادَ أدْراجَه، وصلَ البيتَ فألقَى بنفسِه على الأريكة، قلّبَ الأمورَ برأسِه… ثمّ قامَ و أشعلَ النّارَ بآثارها؛ أطلّت من خلَلِ الدّخانِ الذّكرياتُ تلُمْنَه، فأسبَلَ جفنَيْه و مدّ يدًا تُكَفكِفُ دمعًا من خَلائقِه الكِبْر.
(3)
هدأتْ نفسُه قليلا، سحبَ كتابًا منْ مكتبتِه الصّغيرة، تصفّحَه غير عابئٍ بما فيه، حتى وقعتْ عيناهُ على” و داوِها بالتي كانتْ هيَ الدّاء” وضعَ الكتابَ جانبا، نزلَ للشّارعِ، مشي هائمًا على وجهِه زمنا؛ جذبتْه أضواءُ ملهًى ليلِيّ؛ توقّفَ يرقبُ الدّاخلينَ مُهندمينَ و يتعجّبُ من الخارجينَ يترنّحون… دعتُه نفسُه للخوضِ فيما يخوضون، سرى لأذنيْهِ صوتٌ ندِيٌّ” اللهُ أكبرُ اللهُ أكبر” فأسرعَ لبابِ الملْهى يسألُ الحارسَ عن أقربِ مسجِد.
(4)
اصطفّ مع المُصلّين، خشعَ قلبُه و استسلمتْ جوارحُه، تقاطرَ في أذنَيْه شهدُ الكلامِ و أحْكَمُه، اقشعرّ جلدُه، فاضتْ عيْناه، مع التسليمةِ الثانِية عمّ السلامُ روحَه و استبشَر… همّ بالخروجِ تعلو وجهَه علاماتُ الرّضا، تلقّفتْه عندَ بابِ المسجدِ وجوهٌ عليْها غَبَرَة، حشروه في سيّارةٍ كئيبةٍ مُظلِمَة، قبلَ أنْ يسألَ عمّا يفعلون، أدركَ أنّه توفّرَ ضدّه دليلانِ دامغانِ(صلاةُ الفجرِ في جماعةٍ و لحيةٌ نابِتَةٌ تنذِرُ بالخطر).
(5)
في المَخفَرِ سألَه المُحقّق: ماذا كنتَ تفعلُ أمامَ المَلْهى؟
_ توقّفتُ هناكَ زمنًا لا أدري مُدّتَه، لحظةَ أنْ فكّرتُ بالدّخولِ لأسْتَشْفيَ من داء العشق سمعتُ الأذانَ، فغيّرتُ وِجْهَتي… ؟
_ و أينَ حزامُكَ النّاسِف، أيُّ تنظيمٍ تَتْبَعَ، أينَ شُركاؤك، أين… ؟
_ يا سيّدي لا أدْري.. عَمّ تتكلّم!؟.
_ أفقدْتَ الذّاكِرَة؟
_ لا بلْ أحرقْتُ الذّكريات.
_ لا تقلقْ.. سنُعيدُها إليْك..
نادَى الطّاغوتُ عبدَتَه، أمرَهم بالاحتِفاءِ بِه…
سُوَيْعاتٍ و دقّ أحدُ المُخبرينَ الباب، دخلَ يلهثُ: سيّدي…
علتْ ابتسامةُ النّصرِ و الزّهْوِ وجْهَ المُحقّق، قالَ آمرًا: أحْضِروه لي.
_ لكنْ سيّدي!
_ ما بكَ أيّها الغبيّ، أفشِلْتُمْ في أنْ تُجْبِروه على الاعتِراف!؟
_ سيّدي ..إنّه يلفظُ أنفاسَه الأخيرَة و يهذي…
انتفض المُحقّقُ و ذهبَ يستطلِعُ الأمرَ، فوجدَه مُكوّمًا كخِرْقةِ باليةٍ مُمَزّقة، التقطَتْ أُذُناهُ أنينًا يخرجُ منْ أعماقٍ سحيقَة، اقتربَ مِنه أكثر، فبُهِتَ حينَما سمِعَه يُنشِد:” أحبُّها يهتزُّ قلبي عندَما يُقالُ مِصر .. أحبُّها و ذِكْرْها في فمِيَ النّشوانِ عِطْر “.
نكّسَ المُحقّقُ رأسَه، أمرَ بعلاجِه و الإفراجِ عنْه… قبلَ أنْ ينتهي منْ كتابةِ استقالَتِه، جاءَه أمرُ الإقالةِ مُرفقًا باتّهامِه بالإخْلالِ بشرفِ المِهنَة.

أحمد سعد/ كاتب للومضة و القصة القصيرة جدا، و أعمل بصفحة الشاعر أشرف مأمون كمراجع لغوي، من مدينة طنطا بمصر/ السن/52 سنة.

السابق
السقوط
التالي
متحفز

اترك تعليقاً

*