القصة القصيرة

حتى إشعار آخر

“أم راشد” الخمسينية فقدت خمسة من أولادها ما بين انتفاضتي الأقصى،ولم تذرف دمعة واحدة. كنت أستغرب من هدوء أعصابها وصبرها؛ فهي دوما مبتسمة رغم ظروف الحصار والاعتقالات المتكررة. كل يوم تواكب شباب الحي إلى أن يختفوا عن نظرها، وتجلس على العتبة في انتظار عودتهم؛ فهاجس الفقد لديها في ذروة نشاطه على مدار اليوم. في جلستها القرفصائية لتفقد العائدين، تستخدم أصابعها وأصابع ابنتها”فدوى” في إجراء هذه العملية الحسابية بشكل يومي دون كلل أو ملل. هذا المساء لم تتجاوز عمليتها الحسابية أصابع اليد الواحدة. اعتدلت في جلستها، وهرولت إلى غرفتها لتعود منها بيد دامية وفي الأخرى صرة صغيرة مدماة، دفنتها عند عتبة الدار. لم يخف الأمر على فدوى؛ فقد تكهنت بالأمر وتيقنت منه. سألتها بتردد وخوف من ردة فعلها: لم فعلت ذلك يا أمي؟ أجابتها بهدوء مبطن بعصبية بدت واضحة للعيان في حركة يدها النازفة: إنني أعاقب نفسي على قلة ذريتي؛ فلو أنجبت أكثر لما بقينا وحيدتين، ولحصل أبنائي على شرف المشاركة في ذكرى انتفاضة الأقصى التي تصادف يوم الغد. “أم راشد” أيقونة الحي، الجميع يتبركون بها، ربما لأنها دونا عن قريناتها تتحفز لأي طارئ مفاجئ يتعرض له السكان . كانت تخفي الشباب الملاحقين من السلطات الإسرائيلية، وبدهاء وحكمة شديدين تبعد جنود الاحتلال عن الحي. لم يتبق لديها سوى”فدوى” آخر العنقود، ذات النظرات القاسية والقلب الشجاع الذي لا يلين ولا ينكسر تحت أي ظرف. كان على “فدوى” أن توصل رسالة إلى”أحمد” المقيم في الطرف الشمالي تبلغه فيها ساعة البدء. ارتدت ثيابها على عجل بعد أن لقنتها أمها التوجيهات اللازمة لتكون بأمان عند اجتيازها المنطقة التي تغص بالجنود، وذلك تجنبا لمضايقاتهم واستفزازاتهم.
تلفحت”فدوى” بكوفيتها، وودعت أمها بنظرة ساهمة؛ فقد كانت متوجسة بعض الشيء من هذه المهمة الليلية. تذكرت آخر لقاء لها مع والدها في لحظاته الأخيرة، عندما أحضروه غارقا بدمه؛ لقد لفظ أنفاسه في حضنها إثر طلقة قناص حاقد، ولسانه يلهج بذكر فلسطين، ويوصيها خيرا بأمها. ذرفت دمعتين، وغصت بشهقتين كادتا تفضحانها عند أول حاجز صادفته. تسلحت بذكرى إخوتها الشهداء، ووقفت بعزم وإصرار أمام الجندي الذي بادرها بالسؤال عن وجهتها:” إلى أين تذهبين ياجميلة؟” ارتفع الدم في شرايينها إلى أن وصل إلى رأسها. ترددت في الإجابة كردة فعل أولية على كلمته التي اعتبرتها إهانة، وأيضا اغتصابا لكرامتها كفلسطينية: “اغتصبوا البشر والحجر، ألم يكتفوا؟” هكذا حدثت نفسها ثم أخذت نفسا عميقا لتهدئة أعصابها وفورة دمها.
ردت عليه وأشواك االكراهية تنغرز في جسدها:
– عند ابنة خالتي؛ فهي تعاني من آلام المخاض ويجب أن أكون إلى جانبها.
أحست أن كذبتها قد انطلت عليه، تبسمت في وجهه مرغمة وعبرت. منذ أن قطعت أمها أصابع يدها، عزمت على أمر لم تخبرها به؛ ستشترك غدا في في ذكرى الانتفاضة مع فتيات كن قد اتفقن معها على ذلك. وصلت إلى بيت”أحمد”، وبلغته الرسالة ثم عادت أدراجها باتجاه دار “صفية” حيث ستجتمع مع الفتيات الأخريات ليضعن خطة محكمة ليوم الغد. بزغ الفجر ولم تزل “فدوى” مستيقظة، ومتأهبة للحظة انتظرتها طويلا.
“آن الأوان يا فتيات، هيا بنا نسجل سفرا جديدا في ملحمة شعبنا المناضل”. أخدت كل واحدة منهن ما جمعته من حجارة لبدء الاحتفال. توجهت مسيرة العزم نحو القدس القديمة لتلتقي بمثيلاتها هناك. لم تكن مواجهة متكافئة؛ فالحجارة تواجه الرصاص. صبية وشباب وفتيات، حملوا الراية أبا عن جد،وأقسموا على المواجهة والنضال حتى آخر رمق.
استشهدت فدوى مع عدد كبير ممن أحيوا ذكرى انتفاضة الأقصى. عندما وصل الخبر لأم راشد، لم تتفوه بكلمة، لم تبك، ولم تندب أبدا؛ لكنها قطعت أصابع اليد الأخرى، ودفنتها مع مثيلاتها عند عتبة الدار.

السابق
قصة قصيرة في السوق
التالي
صمودٌ

اترك تعليقاً

*