القصة القصيرة جدا

حفل زفاف

تعرَّفْتُ على صديقي الأمريكي صدفة وما كان يهمُّني بادئ الأمر اكتساب لغته والتمرن على استعمالها كتابيا وشفويا..اعترف أن صديقي الأشقر كان رائعا ..محاور ومثقف مميز يعرف الكثير عن الآخر..
خجِِلا كنت وأنا اتحدث عن مجتمعاتنا وتخلفنا ولكنه واثق مما يريد ويعرف كيف ينبشني ويفتك المعلومة..
تقاذفتنا عديد المواضيع وأكثرها سياسيا بحكم تلك الصورة النمطية التي رسمها الإعلام عندهم على أن المسلمين ارهابيون..تفاجأ وأنا أحاوره وأفك طلاسم عده..
تعدَّدَتْ حواراتنا في السكايب وتشعبت حتى عرّفني بعائلته وبمدينته..عائلة تتكون من الأب, بحار متقاعد شدَّني شكله المتقارب من شيخ همينغواي وأم من أولئك المولدين من زواج البيض والهنود وأخت تعمل صحافية في قناة محلية معروفة..
تعلَّق بي كثيرا توماس درجة أنه كان يكلّمني بالهاتف حين أغيب عن العالم الافتراضي ويجتهد في جعلي أعرف كل جديده..أحيانا يرسل إليَّ بصوره ..توماس وسيم وطويل ذا شعر حريري يغري كل إناث الدنيا ..أسأله عن مغامراته فيسرد بعضها في فتور عكس رحلاته وقراءاته ..توماس رجل اجتماعي ومنفتح يحب التثاقف ويجيد الإسبانية ولكن يكره الفرنسية وهو في أكثر حالاته يبدو متدينا ومتزنا ويميل لحياة عادية ..
في عيد ميلاد ابنتي الثاني أرسل لها هدية رائعة وبعض الدولارات التي لم أرها أبدا..ووعدني أكثر من مرة أنه سيزورني ويتعرف على مدينتي التي رآها من خلال الصور وأعجب بها ..
فرحت ُكثيرا حين قرَّر الزواج وتأسيس أسرة وأصرَّ عليَّ أن أحضر فتمنَّعت مستعملا أعذارا وأعذارا والحقيقة أني كنت تواقا لأن أذهب وأرى العالم الجديد ,عالم الحريات ولكن حالتي المادية لاتسمح..
نسيت الأمر وبي رغبة أن أمارس حياتي وأقطع كل صلة بتوماس لكني تفاجأت حين وصلتني من السفارة الأمريكية بطاقة دعوة وتأشيرة سفر مع كل التكاليف والأهم بذلة مميزة جدا..
خجلتُ من صديقي وقررت أن أسافر وأحضر حفل زواجه.. اشتريت هدية تليق به وبزوجته وقد كلفتني الكثير..
وصلتُ مساءً منبهرا مشدوها ومنفعلا, أيُّ قروي تستقبلينا ياميشيغان؟؟ المميز لا أحد يتوقف عندك أو ينظر إليك..الجميع يمضون إلى شأنهم..وحدي أراقب البلاط والعباد والبنايات وأتيه متأمِّلا ومُوَحِِّّدًا وحزينا..حزين فكلِّ عَُقَدِ الدنيا تناوشتني ..ميْتٌ يا قريتي كنت هناك وها أنا أحيا وأُبْعَثُ مُتَحَرِّرًا إلاَّ من جوعي لل….
مُتَهَلِّلاً وفرحا طوَّقَني توماس الوديع بذراعيه القويتين , أحسستني قزما وأنا من كنت أرى نفسي متوسط القامة ,كادت دموعي تترقرق حين أحاطتني العائلة بطيبتها ,هذا يحدثني وهذا يدعوني للأكل والشرب والآخر يشرب النبيذ محتشما..
تجمَّعَتْ العائلة فتعرَّفْتُ عليهم تقريبا وبعض الجيران وبت مع توماس نتجاذب الأحاديث ..في الصباح جُلْنا في المدينة متجاورين وسعيدين..
بعد يومين كان توماس أسعد الناس وكنتُ أشاطره أدقَّ اللحظات سعادة وكأنه أخي ..طقوس الزواج عندهم مختلفة تتعدَّدُ مظاهرها ..تشرَّفْتُ بالتنقل مع صديقي إلى الكنيسة وتشرَّفْتُ بالتعرف على جانب من معتقداتهم..
بدأت الوفود تتجمَّعُ وبات جليًّا اقتراب قدوم العروس ..لعلَّها شقراء ُوالأكيد أنَّها طويلة فتوماس جذَّاب وأي أميرة تتمناه..
فجأة قال لي صديقي
-علي أقدم لك جورج زوجتي
مدَدَتُ يدي صامتا كمومياء فرعونية وقد تحنَّطَتْ العبارات وجفَّ ريقي وعرق بارد انحدر على جبهتي وأنا أتملَّى وجه هذا الرجل المائل للسمرة النحاسية ..
وحدها أصوات الكنيسة بقيت تسكنني وأنا أعبر المطارات نحو قريتي النائمة تحت ستار الليل……

السابق
آخر عناق…
التالي
الكاميرا الخفية

اترك تعليقاً

*