القصة القصيرة

حكي تحت السيف

لما نادى علي شهريار من دون كل القصّاصين استغْربت الأمْر ، فلسْت أبدعَهم ولا أتقنَهم لهذا الفنّ، توجست خِيفة وأنا أُدخَلُ إليه، رمقْت شهرزاد مكوّرة في مَسْكنة جِوار تَخْته صامتة تنظُر إليّ شَزرا، تقيسُ طولي وعرْضي وتتمعّن في ملامِحي البرْبريّة، بادلتُها الشّزر وأضفت عليه الشّفَن تحدّيا، طاف طيْف ابتسَامة ساخِرة على طرفيْ فمها المرسُوم بدقّة، أما شهريار فبقيَ يمسِد لحْيته الكثّة ويرنُو إلى زخارف السّقف في استخفاف باد ٍ، كرِهته كما كرهتُ عجْرفته وعجِيزته السّمينة المتربّعة على طُنفُسِ الدّمَقْس ، تساءلتُ.. ماذا تحبّ فيه هذِه المرأة يا تُرى؟ بادرني بقسْوة وفظاظة لا تليقان بمقَام السّلاطين:
– هاتي، يا امرأة، وأوجزي فقد مللْتُ الحكْي الطّويل..!
لكنني أبيتُ أن أنطق حرفا.. وطال صمتي، صدرت عنه إيماءَة خفيفة لمَن خلْفي، وفي لحظة أحسسْت ببرُودة نصْل سيفِ مسرور على وريدي، تململتْ شهرزاد كأنّها تريدُ أن تقول شيئا، عَالجتُها بغمْزة صغيرة، أن اصمُتي فمكانتكِ على المحكّ، لكزني “المسرور”الغاضبُ بعقْب السيف في خاصِرتي، تأكّدت أنّني هالِكة لا محَالة إن لم أجد لي مخرجَا من هذه الورْطة، مرّت كل قصيْصاتي في خُلدي ققجَا وومْضا وهايكو وشذرا، استوقفْتُ واحدة منْهن، لمْ يُحبها المتصفّحون وانهالتْ عليّ الرّدود كالسّيل تُدين إغرابَ معانِيها، وغموض كلِماتها ويرمُونني بالغُرور الأدبي، والتبجّح الثّقافي، وإرادة الظّهور واسْتغباء القارئ، ودفعِه لتصفّح صفحات القواميس الصّفراء والخال غوغو وعمّتنا الغولة، فرسَيْتُ عليها وقلتُ في اعْتزاز وبدون اسْتعمال ألقَاب، وأنا أنظر في أم ّعين الشهريار:
– سأحكي قصة قصيرة جدا واحدة، إن فهمُتوها ،أتعهّد أن أبقَى هنا للأبد،وإن كان العكْس،أريد وعْدا قاطعَا منكم أن أعُود من حيْث أتيتُ سالمةَ، حرّك بِنصَره.. لم أفهم الإشارة، فلِلملوك فيما يبدو عادات غريبة.
– اسمعوا إذن وعوا .. عوا .. عوا.. عوا
تعمّدت تكرار كلمة العُواءِ ردّا على إهانةِ البنصَر، ولو قام بحركة أخرى لا تعجبني لكَان لي معه شأن آخر، حتى لو دفعت الثّمن عنقي، تحسّسته، ودخلتُ رأسَا في القصّ بدون مقدّمات ولا أيّها الملكُ السّعيد ولا يا صاحِب الرّأي السّديد ولا مدّدت له عُمرا.

ضربة شمس
ذات يوم أرُونَان ..أطبق عليه الرٌّون ..
فتمنى لو أن الشمس ذهبت لمراحها لتهب عليه رَوح الشمال
ببرد نسائمها وينسى وقع الزمن الأرُود
في لحظةِ تجلت له ريحانة الرَّادَة، رَوشَ عقله وطار..
وراء عطر الياسمين..

أنهيتها ب “تمت بحمد الله”.. كي لا ينْتظر اسْترسالا كعادَته مع شهْرزادهِ.
ولأول مرّة، أراهُ يسْتوي على مُقعدته الضّخمة، يقبِل عليّ بجِذعه وينْظر إلي بعينين سرحت فيهما شبكة خُطوط حمْراء وتشعّبت، ظلّ يفكّر لمدّة غير قصِيرة ويضرِب كفّا بكف في عصبية ظاهرة، يهمْهم ويدمْدم ويقمْقم، التفتَ أخيرَا لشهرزاد التي امتقع لونُها وغاضَ صفاؤها، وعلى وجْهه سُؤال بجحْم أحْناكه، هزّت كتفيْها وأنزلتْهما وقلَبتْ شفتَها السّفلى، ثم نظَر إلى السّياف فسمِعت صَليل الحَديد يخْرج من الغِمْد أغمضْت، رفعت سبّابتي وتشهّدت..
خار كالثور:
– أخرِجوا هذه المجْنونة من إيوَانِي ، لا أريد رؤْيتها هنا ثانية..
ورمى عليّ بكيس له رنين، عزّت على نفْسي ولمْ أرتَضِ الانْحِناء لالْتِقاطه، فقد اخترتُ ميدانا لا يدرّ على صاحِبه شيئا غيْر بعْض التّقدير يصُون له كرامته، خافَ مسرور أن ينقلبَ غضب الملك عليْه لتلكُّئِه في تنْفيذ الأمْر، غرزَ في الكيس طرَف السّيف ورفعَه في الهواء، ولبُرهة تخيّلتُه رأسي، سبقَني في دهاليز غير التي دخَلنا منها، فتَبعْتُه إلى أن وجدتُني خارج الأسْوار، قذَفني بالكِيس وأتْلاهُ بشَتيمَة أظنّه تعلّمها من أحَد الخِصْيان، التَقفْتُه في الهواء، ارْتكزْت جيّدا على قدميّ، تذكّرتُ أنني كنْت في عزّ شبابي لاعِبة كُرة يدٍ مميّزة، سدّدْتُ وأطلقْتُ.. ذهبَهُم الوسِخ على عيْنِه مباشرةَ.

السابق
استِفاقةٌ
التالي
قراءة نقدية في نص “حكي تحت السيف”

اترك تعليقاً

*