القصة القصيرة

حلاوة تمن

قد تظنون أنها ستكون لحظة ملحمية تُدقُّ لها الطبول، وتُقرعُ لها أجراس الموت المجلجلة، وفي مثلها ستحتاجون إلى عيونٍ بانورامية لتسجيل المشهد بالعرض البطيئ مع موسيقى جنائزية مهيبة، لكني مضطر لأن أخيب ظنكم، على الأقل بالنسبة لي أنا، فهي لحظة مثل كل لحظات حياتي، رجلٌ يمارس عملهُ الروتيني ، وماهذه البضاعة التي سأقنص الا قطعة من عشرات القطع البشرية التي سفّرتها ماسورة مسدسي العزيز هذا، الى العالم الآخر بكل إحترافٍ ومهنية ..
هل ستصدقون إن قلتُ لكم أنني لا أستطيعُ عدّ ضحاياي الذين تعاقدتُ على موتهم، ولا أشكالهم ولا ألوان بشرتهم حتى، فضلاً عن أسمائهم وحيواتهم، أنا أتعامل مع الضحية بمهنية عالية فلا أسأل الا عن المعلومات التي تدلني عليه، وما أن أضعه بين الفرضة والشعيرة حتى أمحو من ذاكرتي كل حرف عرفته عنه، ولا تسمع في دماغي الا صدى صوت الرصاصة المدوي – أو الخافتِ أحياناً – والتي في الغالب الغالب مايكون صدى لصوت واحد فقط، يُثارُ بعدها هرج الناس ومرجهم، وهو ما أراهن عليه دائما في خلاصي من المشهد بكل حرفنة، يساعدني في ذلك هدوءُ بال، وإعتداد بالنفس، ومشيةٌ رزنة تنفي معها أي شبهة في عقول المتجمهرين بأنني – قد – أكون القاتل . وقد أُضطر لضبط سيناريو الفرار الوقور هذا الى أن امشي لصق الجثة أو أن أعبر عليها أحيانا، بل انني أتذكر ذلك اليوم الذي اضطررتُ فيه لمساعدة أحدهم وهو ينجد أحد ضحاياي الى سيارته، وكانت فرصة جميلة للاطلاع عن قرب على الأنفاس الأخيرة لأحد ضحاياك، كانت عيناه اللتان انطفأتا بعد ثوانٍ محدقتان فيّ بقسوة، كأنهما يدلان الناس عليّ..لا انكر إنني شعرت برهبة في داخلي، لكنها – والحمد لله – لم تستمر لأكثر من دقيقة لأرجع بعدها لذلك السفاح الوقور الهادئ والحكيم ..
قد تكون قصتي،في مكانٍ آخر، أو زمانٍ آخر، تقيم الدنيا ولاتُقعدها، فقد طالعتُ – من بابِ الفضول – قصص أشهر سفاحي العالم، وإعترتني الدهشة من عدد قتلاهم الضئيل قياساً الى ضحاياي خلال سنواتٍ ثلاثةٍ فقط، لكنه – ياسادة – العام ٢٠٠٦، العامُ الذي فيه صار للقاتلين مكانات معلومة، فيللا فارهة، أو دائرة من دوائر الأمن الجديدة المبثوثة في بقاع بغداد كلها.. أو مقر وزارة حتى ..
لكن هذه المهنة – مثل كل مهنة أخرى – تعرضت لعواصف المنافسة غير الشريفة، وتدخّل فيها هؤلاء الوافدون الجدد الذين يدعَون بأصحاب السيارات الملغمة، أو الأحزمة الناسفة، الذين يفجرون عشرات الضحايا لقتلِ هدفٍ واحد، وكنت أحتقر هؤلاء جداً، لا بسبب من إنسانيةٍ أو مشاعرٍ وما إلى ذلك من خزعبلات، ولكنها أفعال لاتليق بحرفتنا اللذيذة والذكية ..
أكتب قصتي هذه اليوم لكم، وقد كادت أن تكونَ آخر قصة لي لولا صحوة متأخرة من عقلي الصلد والبارد، كنتُ لحظتها بإنتظارِ هدفٍ عادي جداً ، وكان كل شيئٍ يسيرُ على أفضلِ حال، فقد أكملتُ خلال ربع ساعةٍ فقط كل الخطة، خطة القتل والفرار الهادئ..
لاحَت البضاعة الآن على مرمى بصري، طبيبٌ شاب، يبدو وكأنه الحياة ; من فرطِ وسامته وحيويته ..
من وراء نظارتي الشمسية ألقيتُ نظرة على كل الجمهور لأتبين الوسط الذي فيه سترتكب جريمتي ، وليتني مانظرت، كانت جدتي، نعم جدتي، التي اعشق وأرهبُ وأحب، جدتي التي لم أترك حضنها الا قبل ثلاث سنوات، كنت أرتمي بين ذراعيها فأنسى أنني في الدنيا، أروحُ لعالم آخر هو الجنة أو ألذ منها، جدتي التي كنت أمامها كتاب مفتوحٌ على مصراعيه، تقرأني بكل وضوح، تقرأ تعبي وراحتي، وإرهاقي ومرحي، يا لله ، كانت جدتي أحد رواد عيادته، لاهيةً عني وعن الناس بفض أوراقها الطبية لترتبها عمتي الجالسة جنبها..
يا لله ، ماهذا الشعور الذي أحسه في قلبي لينتشر في كلّ اطرافي ارتجافاً وحيرة، أحسست بدوخة تملأ دماغي الذي تبدلّ برده الى نارٍ تتأجج، وسرعان ما دار شريط حكايا جدتي عن ذلك الطبيب الشاب الذي حملها في آخر زياراتها له بين يديه ليدخلها لغرفة عيادته، وليضعها في بطن التاكسي محمولة بين يديه أيضاً بعد إنتهائه من علاجها، كانت تتكلم عنه وبين كلمة وأخرى ينزل من لسانها سيلٌ دعاء ليحفظ الله شبابه، وأنا الآن رسول الموت الذي سيخطف شبابه..
هل هذا أنا؟؟ هل هذه يديّ؟؟ المرتجفتين الآن ، يديّ التي رحّلت عشرات الرجال، بمختلف صفاتهم وأعمالهم، بحسنهم وقبحهم، يا لله ، هل يستولي عليّ الآن الشعورُ الذي يدعوه اشباه الرجال الانسانية والرحمة ، الشعور الذي غادرته منذ ثلاث سنوات بلا رجعه، وهممتُ بالمغادرة لأول مرة في حياتي بلا أن أكمل مهمتي لولا أن صديقاً وفياً وعزيزاً أرجع إليّ مهابتي كسفاح، تحسستُ برد حديده، آهٍ يا لبردك الجميل، وسط هذه النار التي تشب في أضلاعي، كنت أربطه على موضع قلبي، كأني أبدلُ قلبي به.. تحسستُ الماسورة جيداً، تشبهُ عيناً مفغورة دوماً، نحو هدفٍ مجهولٍ آتٍ..
في أيامها الأخيرة، إستمرت جدتي كل خميس في توزيع ( الخفيفي وحلاوة التمن ) على روح أحد أعزائها الجميلين، وكانت تُصرّ رغم تعبها أن توزعها بيديها..
وظلت تحكي لنساء المحلة في كل مرة توزع ثواب الموتى هذا كيف أن الحكيم الشاب إبتسم في وجهها آخر لحظاته، بينما كان الدم ينتشر في المكان كله كماء نافورة من عنق هذا الشاب اللطيف..
كانت حلاوة التمن تتحولُ بين يديّ الى سائلٍ لزج، بلونٍ أحمرٍ قانٍ، وطعمه بطعم الدم، وكانت قطرات منه تتساقط من الماعون، لتملأ غرفة جدتي بالدم ..
وكانت جدتي تندهش وأنا آكل من حلاوة التمن بهذا النهم، وكلما فرغ ماعوني أطلب آخراً، ولا أشبع ..

السابق
اعتذار
التالي
حُمق

اترك تعليقاً

*