القصة القصيرة

حلم أنه قد كان

من هذه المادة ” التراب ” خلق الله آدم وشكله ثم نفخ فيه من روحه ليصير انسانا . سيرت احملها فى يدى واتأملها وأشكل منه تماثيل . لم تخل العيون من الاعجاب بما صنعت كثيرا ما أمتدت الايدى تتحسس الملامح والاطراف لتتأكد من انها ليست ادمية أو ربما العكس . هذه الهواية أزعجت أمى . فمنذ طفولتى وأنا ألطخ بالطين كل ما يقع تحت يدى . كانت تصرخ وتلقى بى خارج الشقة لأعود بعد القليل إلى الطين والجير والجبس ألطخ بها يدى ووجهى والجدران وكانت اثار ضرب أبى “بالحزام” ترسم أجمل لوحة فنية على ظهرى ولا يزيد هذا إلا اصرارا منى .
عندما طال العود واستقام ألتحقت بكلية فنون الجميلة مع اننى حصلت على مجموع اقتحم ما يسمونه بكليات القمة ولكنى عجزت امام رغبتى واستسلمت لها مع الرفض التام من أهلى ويطلقون على المجنون وجاء وقت عمل مشروع التخرج ومضيت أبحث عن مصدر حى لإلهامى . وعندما علمت امى بهذا صرخت فى وجهى ولكنى استسلمت لرغبتى مرة أخرى فمضيت أجوب الشوارع ووقفت طويلا أمام الكباريهات ودخلت صالات الديسكو.
حتى وجدتها فى احد الكباريهات كانت فارعة الطول ذكية الملامح حسناء القسمات شئ ما جذبنى إليها لعله ابتسامتها الغامضة أو ضياء عينيها المنعكس على وجهها . استقرت بكاملها داخلى ارتجفت يداى تريدها . طاقت اصابعى تلمس اجزائها . رتبت الخطة واحكمتها ،أن الاهل سافروا الى البلدة متعللا بأن ورائى امتحانات واستطعت فى هدأة الليل أن أسرت ملهمتى واطير بها إلى حجرتى البعيدة …….
تراجعت بجسدى إلى الخلف اتأمل ما نحته أغمضت عينى قليلا مرت يد ناعمة ملساء على جبينى وعلى شفتى .لم أتحرك فاقترب الفم الضاحك من أذنى وهمس لى بكلمة حب فتحت عينى واحتضنتها .انتزعت نفسها من بين ذراعى وضحكت فى دلال وقفت امام المرآة تتحسس جسدها بأناملها التى ابدعت فى نحته وتصويره طوال الوقت وأنا جالس مفتح العينين غائب العقل لا أصدق مايجرى أمامي ، صرخت فى فرح ولسانى يردد عبارات التحدى والفخار لقد نحتها لتكون ملكى قامت الدنيا كلها تباركنى وتبارك نحتى وجريت خلفها فى الحجرة أضحك واصرخ وتبكى عيونى أدوخ واترنح وتترنح هى معى أوصدت الباب وألقت بالمفتاح من الشباك .لم اهتم فسجنى معها فسيح افسح من سجن الحياة فى الخارج الملئ بالناس واهلى الذين يريدو يسلبونى كل شئ . وأن يقطعوا اناملى المبدعة
كلماتها لى آيات منزلة ونغماتها تراتيل ونزعاتها أوامر قدسية روحها تضئ وتملأ المكان فلم أعد أرى سواها ولا أسمع سوى صوتها أغلقت النوافذ نزعت الصور المعلقة وحمطت النموذج الذى نحتها منه حتى لا أنحت غيرها ولا احب سواها أغنتنى عن كل شئ وعشت لها لا اعرف الفرق بين الليل والنهار لا اعرف غير الألوان التى تلون كلماتها واحاسيسها عندئذ بدأ الخوف يداهمنى ويهدد أمنى وسكينتى . ندت من فمى صرخة مرغمة فزعة . فحدقت فى وجهى طويلا ارتمت على الارض أمامى وهى تئن هرولت خارجا لأتى بطبيب يعيدها إلى الحياة والعافية خرجت الى الشارع انادى فلم اجد أحد ضاعت صرخاتى فى الخلاء فعدت إليها لأجدها أمامى أشلاء ممزقة تماما . يمضي الوقت و أنا أركض خلف الثوان و الدقائق الساعات يلسعني اليأس فأتلحف بإيمانى ،يقتلنى الحنين لأشياء أردتها ولم أتحسسها
لفنى ذهول بين جنباته ألقيت بنفسى فوقها وأخذت أبكى وألطم خدى حتى فقدت الوعى .
عندما افقت أخذت اجوب الشوارع الخالية بلاهدف أبحث عن حلم جديد أعيش له وبه .الخلاء من حولى يفزعنى واخذت أجرى فى خوف ووقفت لاهثا فى منتصف الطريق وحيدا ممزق النفس والروح تهتز الارض من تحتى فأرفع وجهى إلى السماء

السابق
مبدع
التالي
كرمة

اترك تعليقاً

*