حوار

حوار مع الكاتب عبد الرزاق بوكبة

 عبد الرزاق بوكبة, كاتب وإعلامي جزائري, من مواليد 1 نوفمبر 1977 م, له عدة إصدارات, ” من دس خف سيبويه في الرمل “, ” أجنحة لمزاج الذئب الأبيض “, ” جلدة الظل “, عطش الساقية “, كاتب مقال أسبوعي في الصحافة الجزائرية, مشرف على فضاء “صدى الأقلام للمسرح الوطني الجزائري, منشط ومنتج برامج أدبية في التلفزيون الجزائري.

 لا يمكن أن نحدد يوم ميلاد كاتب ما، حتى وإن كان يوم نشره لأول نص مثلا أو كتابته له معلوما

سي عبد الرزاق سعداء جدا بهذا الحوار.

السعادة بالحوار مؤشر على التحضر، لقد بتنا نحيا في عالم لا يمارس هذه السعادة، عالم يميل إلى ثقافة المقاطعة والجفاء، ومصادرة الحق في الرأي، وأنا سعيد مثلك.

كتبت مقدمة هذا الحوار بناء على ما وجدت من معلومات في صفحتك على الفايس بوك, هل هناك أشياء لم يذكرها عبد الرزاق في صفحته؟.

طبعا.. لا يمكن أن تستوعب صفحاتنا في الفايس بوك كل ما يمكن أن يصب في “تعريفنا”، تعريفنا لا يتوقف على المعلومات التي يمكن أن نصرح بها فقط، بل على تلك التي لا يمكن أن نصرح بها أيضا، جملة عقدنا المختلفة في الحياة هي أيضا شطر من تعريفنا، وأنا شخصيا لجأت إلى الكتابة لأتطهر من عقدي التي قد لا أجد الشجاعة الكافية لأتحدث عنها مباشرة.

أثار انتباهي الفاتح من نوفمبر, ولدتم في ذكرى عزيزة على كل جزائري حر, عيد مجيد لثورة عظيمة, وعيد ميلاد أيضا عبد الرزاق بوكبة, أقول أنه شعور خاص لا يملك مفاتيح التعبير عنه الا عبد الرزاق؟.

لقد واجهني كثير من الأصدقاء وغير الأصدقاء بعدم تصديقهم أنني مولود في هذا اليوم، بل إن بعضهم قال إنني أتاجر برمزية هذا اليوم، وكأن الولادة في هذا اليوم تمنح صاحبها امتيازا معينا، إذا كان هناك من يملك الحق بالفخر بهذا اليوم فعلا فهم الذين انطلقوا فيه في شن ثورة على المستعمر، أما أنا فلا فرق عندي أن أولد في أول نوفمبر أو في يوم آخر ما دمت لم أحظ بشرف المشاركة في الثورة، وكل همي هو أن أجتهد في حياتي لإنجاز ما يمكن أن يحسب علي فعلا من إنجازات.

ماذا عن ميلاد عبد الرزاق الكاتب, وما كتب لأول مرة؟.

لا يمكن أن نحدد يوم ميلاد كاتب ما، حتى وإن كان يوم نشره لأول نص مثلا أو كتابته له معلوما، ذلك أن ارتباطنا بالكتابة أمر ممتد حتى إلى بطون أمهاتنا، هناك تجارب صغيرة تحصل لنا في الحياة تجعلنا مرتبطين بميل معين إلى شيئ ما، وهي عادة تجارب لا يمكن الانتباه إليها خاصة في المحيط الشفوي مثل المحيط الذي نشأت فيه، لذلك من التعسف القول مثلا إن بوكبة الكاتب ولد مع كتابة كتابه الأول من دس خف سيبويه في الرمل قبل سبتمبر 2002 ونشره عام 2004.

من دسّ خُفّ سيبويه في الرّمل؟.

حين دخلت العاصمة في جوان 2002 كنت أحمل معي مخطوطا شعريا يسمى أنثى الغيم، وكنت أبحث له عن ناشر، بعد أسابيع فقط من مواجهة عراء العاصمة قررت التخلي عنه نهائيا، ومباشرة تجربة جديدة مستثمرا مفردات ذاك العراء، فكانت تجربة من دس خف سيبويه في الرمل، نصوص قصيرة، حيادية في ميلها إلى جنس أدبي ما، أو بعبارة أدق تملك القابلية للانتماء إلى الشعر بنفس استعدادها للانتماء إلى السرد، حاولت أن ترصد جملة التناقضات التي تلف الحياة اليومية للإنسان الجزائري الغارق في العنف اللفظي والجسدي، وقد كتبتها جميعا في فترة وجيزة تقارب الشهرين والنصف.

أجنحة لمزاج الذئب الأبيض, 36 نصا سرديا, وملحق شعري “فصول الجبة”, ما قصة الذئب الأبيض الذي يبحث لمزاجه عن أجنحة؟.

بعد التوغل في الحياة العاصمية، لاحظت أنني أصبحت مطالبا بالتخلي عن طيبتي وذكائي حتى أستطيع أن أحظى بالقبول في الفضاء الثقافي للمدينة، وهو ما كنت ولا زلت رافضا له، وفجأة قرأت عن نوع من الذئاب في منطقة آسيا الوسطى لونها أبيض وتتميز بالطيبة والذكاء، تتقاسم اللقمة مع الجميع، لكنها في الوقت نفسه لا تعطي الفرصة لأحد أن يقضي عليها، وقد كانت ظروفي الاجتماعية التي شرعت خلالها في كتابة هذه التجربة القاسية جدا، وكانت الحالة السياسية للبلاد تنذر بانفجار معين، وأيضا فقد كتبتها في فترة وجيزة جدا مثل التجربة الأولى، فكأنني كنت أسابق الزمن الذي أحسست بأنه سينتهي في أية لحظة، هنا أعود لأصرح مرة أخرى بأن كتابتي لهذه التجربة أنقذتني من الانتحار.

جلدة الظل, رواية تحكي قصة قرية أولاد جحيش وخلافها مع قرية أعلى الجبل, وتحكي يوميات الإنسان الجزائري في القرى, وما يعيشه من مواقف في أبجديات القرية من شجاعة وشرف, ما ظروف كتابة هذه الرواية؟.

لماذا تركز على ظروف كتابة تجاربي الإبداعية؟ إن ذلك يرهقني كثيرا، لكن أقول إن الدافع إلى خوضي لهذه التجربة بالذات عام 2008هو رغبتي في أن أصحح الوضعيات الخاطئة لأجدادي في التاريخ، أجدادي الذين طاردتني أشباحهم وأنا أخوض تجربة المدينة، كأنني أردت أن أقول لهم: شوفوا.. لا تطالبوني بأن أحيا زمنكم، بل أنتم المطالبون بأن تحيوا زمني إذا استطعتم، أنتم كنتم ترون في كوابيسكم خيولا تغزوا قبيلتكم، بينما أرى في كوابيسي أطباقا طائرة تغزو كوكبي.. وكم ضحت من أعماقي حين ترجمت فصول من هذه الرواية إلى اللغة الانجليزية وصدرت في بريطانيا عام 2010 قائلا لنفسي: لقد ربحت الرهان مع أجدادك، فاكتب الآن تاريخك أيها الحفيد، فكانت تجربة روايتي “ندبة الهلالي” التي أنهيتها قبل شهور قليلة.

قرأت لأحدهم على الانترنت, أن رواية جلدة الظل, أفسدت نكهتها وجماليتها تلك الجمل الجنسية المشينة كما وصفها القارئ, ما رأيك؟.

هناك بعض القراء يمارسون العادة السرية خمس مرات في اليوم، وهم مستعدون لأن يمارسوا الجنس حتى مع الأطفال، لكنهم حين يواجهون مشاهد جنسية في رواية من الروايات الأدبية يستهجنون ذلك، ويعتبرونه مخلا بحياء الكتاب، الكتابة فعل مرتبط بالحياة، ومن التعسف أن يتجنب الكاتب مشهدا من المشاهد إذا اقتضاه السياق، بمعنى أنا ضد إقحام الجنس في الرواية من باب خلق حالة إغراء للقراء، أما إذا اقتضاه السياق الفني والإنساني فإن حذفه أيضا أمر يخل بأدبية الأدب.

منذ مدة اطلعت على أن الجزء الثاني لجلدة الظل الذي اخترت له عنوان ” “محيض الزيتونة”, لم يكتمل بعد, فرصة لنسألك الآن عن هذا الجزء, حدثنا عن المشاهد التي غابت عن فصول جلدة الظل؟.

لقد غيرت العنوان فصار “ندبة الهلالي”، وقد أنهيت الرواية في شهر رمضان الفارط، وهي تحت الطبع في المشرق العربي، ومن الطبيعي أن تكون مختلفة عن الرواية الأولى من حيث لغتها ومعمارها وملامح شخوصها وأمكنتها وحجمها أيضا، وهي التجربة الأولى في مساري الإبداعي التي كتبتها خارج هروبي من الموت، لقد استمتعت بكتابتها تماما مثلما استمتعت بقراءة روايات لغيري.

كذلك ومنذ نفس المدة اطلعت على مشروع كتاب آخر لم يكتمل بعد ” شهوة التحولات “, ما قصة هذا المشروع وهل وجد طريقه نحو رفوف المكتبات؟.

الريتم الذي فرض علي أن أعيشه منذ دخولي إلى الجزائر العاصمة قبل عشر سنوات جعلني أجهض كثيرا من التجارب، ومنها تجربة “شهوة التحولات” التي هي نصوص قصصية قصيرة جدا تشتغل على تيمة تحول معاني الأشياء، تلك الأشياء الحميمة في حياتنا مثل الباب والجورب والملعقة والوسادة والتبان والقلم وو، وعوض أن أصبر عليها حتى تنضج وتتم، فقد ضمنتُ بعضا منها في كتابي “عطش الساقية” في فصل “على هامش القصة”.

على ذكر عطش الساقية الفائز بجائزة بيروت 39, والذي لخصت فيها أربع سنوات من الكتابة, هل تعتقد أن العنوان, كفيل بالتعبير عن ساقية من المشاعر والآراء والمواقف, خلال أربع سنوات كاملة؟.

لن أجيبك على هذا السؤال، غير أنني أقول إن عطش الساقية هو في الحقيقة مجمّع لتجاربي الأدبية غير المكتملة أو المجهضة إذا أردت، تجربتي في أدب الرحلة، في القصة القصيرة جدا، في المسرحية، وفي السيرة الذاتية، كل فصل من فصوله هو مشروع كتاب مستقل، لكنني في لحظة ما، كنت خاضعا فيها لمزاج سيئ قررت أن أتخلى عن فكرة الاشتغال عليها كل على حدة وجمعها في مقبرة واحدة، وهنا لا بد من التذكير بأنْ ليس عطش الساقية هو الفائز في مسابقة بيروت 39، بل كتاب أجنحة لمزاج الذئب الأبيض،

على هامش الساقية, هل هناك أوراق فضل عبد الرزاق أن يتركها بينه وبين نفسه؟.

إطلاقا لا، هناك أوراق تخليت عنها لأنها رديئة في نظري، أو فقيرة جماليا، أو لم أكن صادقا فيها كما ينبغي.

ماذا لو جعلنا هامشا على هامش الساقية, هل هناك أمور ندم عبد الرزاق على قولها, أو ندم على مقالات لم يدرجها؟.

إطلاقا لا، وهنا أشير إلى أن الكتاب تمت ترجمته إلى اللغة الأمازيغية على يد الفنان رضا عمراني، وسينشر قريبا.

كيف تقيم واقع الرواية الجزائرية؟.

هل ترى عبارة “واقع الرواية الجزائرية” سليمة ومنطقية؟ يجب ألا نتحدث عن المنتوج الأدبي بالمقاربة نفسها التي نتحدث بها عن واقع الحليب والطماطم والفول والفلين، إذ يمكن أن نفصل بين واقع إنتاج الطماطم مثلا في الجزائر عن واقع إنتاجها عربيا ومتوسطيا وإفريقيا وعالميا، لكننا لا نستطيع أن نعزل الرواية الجزائرية عن محيطاتها المختلفة، ثم هناك فرق بين أن نتحدث عن المتون الروائية، وبين مسار وصولها إلى القارئ، وأنا أرى أن بؤرة أزمة الرواية الجزائرية هي هذه، إذ هناك تجارب روائية جادة في الأجيال كلها، وباللغتين العربية والفرنسية، لكنها تجارب تشتغل في ظل منظومة ثقافية هزيلة لا تملك رؤية جادة ومتكاملة للعمل الثقافي، ولم تنج إلا الأسماء التي استطاعت أن تهاجر بنصوصها إما إلا فرنسا أو إلى المشرق العربي، وعليه فإن الحديث عن الرواية الجزائرية بعيدا عن رصد حقيقي وشامل لكل ما يكتب يعد خطوة متعسفة.

صحيح أن الكاتب الروائي ليس إماما ولا واعظا, ولكن هناك من الروائيين من ينغمس في اللغة الجنسية والإثارة, والشذوذ, وربما اتخذ الكتابة الروائية منصة للانتقام, فلو أمسكنا العصا من الوسط نقول أن الروائي هو صاحب رسالة, فلا هو بالواعظ ولا هو بالسكير الشاذ, لا يمكن للنص الروائي أن يتميز الا إذا كان بين ثناياه قيم إنسانية, هل توافقني الرأي؟.

الكتابة بعيدا عن الوعي الجاد بماهيتها، وبطبيعة التحولات الحاصلة في الحياة تعد خطوة مشلولة، يمكن أن تحدث ضجيجا آنيا، لكنها لا تستطيع الصمود، وهنا لا بد من التركيز على معطى مهم جدا، وهو لا يجوز مصادرة حق الكاتب في أن يكون حرا فيما يكتب، إذ لا حجْرَ على كاتب، أتحدث عن الكاتب الواعي طبعا، والذي يستبعد عفويا كل ما يخل بأدبية الأدب، وانطلاقا من هذا الحق غير القابل للنقاش لا يجوز لفقيه أو سياسي لا يفقه في أدبية الأدبية أن يصادر رواية فقط لأنه صادف حركة جنسية فيها، الرواية وليدة الحياة، والحياة لا تخلو من هذا.

كل كاتب يتأثر ويؤثر, من مِن الروائيين استحق بحق التفاتة عبد الرزاق واهتمامه؟.

كنت صغيرا في قرية أولاد جحيش، وكانت أمي تعيرني إذا غضبتْ علي بسبب أنني أترك مراجعة دروسي، وأقبل على الاستماع إلى المذياع بأنني لن أكون يوما مثل ولد بن هدوقة، تقصد عبد الحميد بن هدوقة الذي ولد في قرية الحمرا القريبة من قريتنا، وقد خلق فيّ هذا فضولا جامحا لمعرفة من يكون هذا الرجل، وحين قرأت روايته “ريح الجنوب” بكيت وقررت أن أجتهد لأكون مثله.

ما عنوان الرواية التي أثارت إعجابك؟.

هناك روايات كثيرة جدا، عربية وروسية وفرنسية وإنجليزية وأمريكولاتينية، بل إنني أقرأ أحيانا رواية عبقرية، فأندم على أنني فعلت ذلك لأنها تخلق في نفسي حالة من الإحباط: هل أستطيع أن أكتب مثل هذه التحفة؟

لك تجربة في عالم الكتابة المسرحية, كتبت ”حجر نجمة” و”عودة العَبّاد”, ونص مسرحي للأطفال ” عنتر ويحيى “. هل لك أن تلخص لنا قصة كل نص؟

بل سأذكر لك السياق الذي أدى بي إلى التجرأ على الكتابة المسرحية، ذلك أفيد، وهو أنني دعيت نهاية 2005 من طرف الإدارة الحالية للمسرح الوطني الجزائري إلى الإشراف على فضاء صدى الأقلام، ثم الإشراف بالموازاة على البرنامج الأدبي المرافق للمهرجان الوطني للمسرح المحترف ومهرجان الجزائر الدولي للمسرح، بالإضافة إلى التدقيق اللغوي للمسرحيات المكتوبة بالعربية الفصحى، وهي التجربة التي أتاحت ل الاحتكاك بالشركاء في العملية المسرحية، وحرضتني على خوض تجربة الكتابة للمسرح فكانت النصوص التي ذكرتها.

وأنت تكتب نصا مسرحيا, هل تجد تلك السلاسة والسهولة والعفوية التي تكتب بها نصا أدبيا أو صحفيا؟.

الكتابة عموما بغض النظر عن جنس المكتوب مكابدة صعبة، والتعاطي معها خارج هذا المعطى هو استسهال خطير يودي بمصداقيتنا ككتاب، لكن الكتابة للمسرح في نظري هي الأصعب لأنها تتطلب خبرة عميقة بالحياة في تحولاتها المختلفة وخبرة بتقنيات رصد ذلك كله دراميا، وعليه فأنا حذر جدا في الكتابة للمسرح رغم توفر الفرصة لأن تجسد نصوصي ركحيا، ورغم حاجتي إلى المال الذي يترتب عن ذلك.

هل جُسدت هذه المسرحيات على الخشبة؟.

لم يتم تجسيد إلى مسرحية “عودة العباد” على يد المخرج سيد أحمد قارة في إطار تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية.

تبدو الكتابة للطفل صعبة ولا يملك مفاتيحها الا القليل, غير أن عبد الرزاق تجرأ وكتب نصا مسرحيا للأطفال؟ كيف عشت هذه التجربة؟.

كتبت هذا النص بالاشتراك مع صديقي الكاتب علاوة حاجي، وهي التجربة الأولى والوحيدة التي اشتركت فيها مع غيري في كتابة نص أدبي، وقد استمتعت بهذه الشراكة من منطلق أنني وجدت نفسي أثناء الكتابة ملزما بالتخلي عن بعضي من أجل النص نفسه، الكتابة في النهاية فعل ذاتي، وبالتراكم يعلمنا الأنانية.

هل جربت أن تكتب قصصا للأطفال؟.

ليس بعد، وليس بالضرورة أن أفعل، غير أنني بدأت أستفيد كثيرا من كوني أصبحت أبا وصديقا لابنتي علياء، الطفلة الذكية التي تجعلني يوميا أجتهد في أن أرقى إليها، ربما هذه التجربة ستزودني بالجرعة الكافية من التجرؤ على الكتابة للطفل.

هوامش
نص الحوار على مدونتي دفاتر ثقافية

يحيى أوهيبة

مؤسس مجلة قصيرة.

السابق
التحام
التالي
كاتب

اترك تعليقاً

*