حوار

حوار مع الكتابة منى بشلم

حاورها عبد القادر ضيف الله

يقال أينما يكون الوجع تكون كلمة الابداع هذا ماتلمسناه من خلال قراءتنا لكتابات القاصة والروائية منى بشلم، اوجاع تخترق مسامات الحرف وتنشيء خيوطا رهيفة لجمالية المعنى الذي تتبادله عبارات اللغة المشحونة شعرية ، مؤسسة بذلك عالما يسائل فضاءات مسقط الرأس قسنطينة، من صخرة سيدي راشد عبر جسره العتيق إلى صخرة الحياة القاسية التي تفتت مشاعر ابطال منى بشلم في كتاباتها راسمة افقا سرابيا يحترق لأجل تأسيس يقين ابداعي تؤمن به الكاتبة لتأسيس عالمها الإبداعي هذا العالم الذي اردنا دخوله عبر هذا الحوار.

• بداية أهنئك فاضلتي منى بشلم على باكورة أعمالك ، صدور مجموعتك القصصية ” احتراق السراب” الصادر مؤخرا عن منشورات الاختلاف.
جميل الشكر لكم ، للتهنئة ..للتقديم الجميل ، و لعنايتكم بنصوصي.

أول شيءأو ولنقل أول عتبة كنت صدرت بها الاعلان عن صدور مجموعتك هي تلك العبارة التي جاءت على ظهر الغلاف في الفيس بوك “حين يحترق السراب ينبثق من رماده “اليقين” هل لك أن تقولين لنا شيئا عن هذه المفارقة بين السراب واليقين؟.
تماما كمفارقات الحياة و سراديب القدر أستاذ عبد القادر .
العبارة فهي قراءتي لنصي ليس فقط المجموعة القصصية “احتراق السراب” بل و للرواية “تواشيح الورد” أيضا بشكل ما إنها مشروعي للكتابة حاليا..أغلب نصوصي الآن تبحث عن اليقين عن المرتكز المتين، لأن الفكر العبثي..حالات الضياع التي أغرقتنا فيها المرحلة الماضية لم تخرج بنا من النفق المظلم ، أرى الشعوب العربية تبحث عن يقينها ، عن حريتها ، إنها تنتصر لهويتها، بعد كل الأزمات النكسات والخيبات التي امتدت عقودا من الزمن ،و أنا فرد لا يختلف عن هذه الجموع ، دون الالتفات للتوجهات السياسية ،فما يعنيني هو الإنسان الذي عاش مرحلة من الوهم سيطرت فيها الخيبات و ها هو يحرق ذلك السراب لينبثق من رماد السراب يقينه.

ألا تعتقدين أن البحث عن اليقين أو لنقل عن الحقيقة هي غاية المعرفة ككل وليس الابداع على الخصوص وحتى العبث هو بطريقة أخرى بحثا عن يقين ؟
البحث عن الحقيقة نعم هي غاية كل عقل يفكر ..لكن القين لا ..إنها مسألة وجدان بالنسبة لي لا نبلغها بالعقل الذي لا أنتصر له كثيرا ..بل بالقلب.

استسمحك قبل أن نخوض اكثر في عالم منى بشلم أن تحدثينا عن البديات وكيف بقيت حتى هذا الوقت من عمر الكتابة لإصدار أول مجموعة قصصية.
البدايات كانت وشوشة للقلم، اتخاذه صديقا للأسرار التي لا ننثرها مخافة أن تجرح رقة الأحبة، غير أنهم بدؤوا يقرؤون و يحسون نبض الحرف ، من هنا تحررت الكتابة مني و صارت تحلم بأن تكتب الإنسان أن تشبه الجميع ..أن لا تكتفي بي. أما تأخري بالنشر فتلك حكاية أخرى ..ليطوِها الكتمان.

ندع الكتمان جانبا لندخل لعالم البوح الذي أثثته في مجموعتك ” احتراق السراب” لقد حالفني الحظ أن اقرأ بعض قصصك على النت وكم كانت دهشتي برهافة السرد عندك حتى أن القارىء ليجد أن هناك توازي بين الواقع و التخييل لديك، هل يمكن أن نقول أن هذه المجموعة هي كتابة عن ذات منى بشلم..بمعنى عن ما عاشته في فترة من فترات حياتها.أم لحظة تحرر من الذات نحو كتابة الانسان؟.
هناك دوما مسافة جمالية بين النص و الكاتب ، لا أستطيع تحديدها بدقة لكن القارئ سيحسها دون شك ، الواقع ( حياتي ، تجربتي ) تمتزج بالرؤيا لتنتج نصا هو في النهاية محاولة للإجابة عن أسئلتي الفكرية و الأدبية معا.
و محاولة الإجابة تفتح دوما أسئلة أخرى، و تدفع بي نحو خوض غمار تجربة أخرى علها تكون نصي الحلم .. الذي –ربما- سيبقى دوما حلما و هذا أجمل ما فيه.

النص الحلم ، يقال أن الكاتب لايكتب الا نصا واحدا أما مابعده فهو لايخرج عن تنويع على نصه الأول مارايك بذلك؟.
لاحظت هذا عند بعض الكتاب،لكن ليس الجميع، ثمة كتّاب يدهشوننا بتنوع تجاربهم الفنية،أرجح أن السبب يعود لتنوع قراءاتهم ، و تجاربهم الحياتية. ما يحصل أن عالم الكتاب صار تماما كعالم الألبومات الغنائية لابد أن يحضر الكاتب في كل موسم بكتاب جديد حتى لا يطويه النسيان بالنظر للعدد الكبير الذي يصدر، هذا يدفع إلى سطحية التجربة، و التكرار . يبقى أن ثمة دوما استثناءات تصنع متعة القراءة مع كل نص جديد.

شدتني قصة هوامش الوجع، هل يمكن لمنى بشلم أن تحكي الأجواء التي كتبت فيها هذه القصة وهل يستطيع الكاتب حسب رأيك يتخلص من أوجاعه و أوجاع واقعه عبر الكتابة.
هوامش الوجع نص له مكانة خاصة جدا ، هو كما يعلن الـ إهداء مزيج بين وجع الكاتبة، و وجع نص روائي جميل حرك بي الرغبة بالكتابة هو رواية “أوجاع ابن آوى” التي تفتح نهايتها سؤال الإشارات الإلهية،صادفت قراءتي لهذا النص مأساة مرض أعز صديقة ثم وفاتها ، فكانت هوامش الوجع مزيج من أوجاع عدة ، لكن كثير من تفاصيلها مجرد تخييل تحاول تشكيل الفن و ستر الحادثة.
هل نتخلص من أوجاع مجتمعنا بالكتابة لا أعتقد ،الكتابة فعل مهمش في مجتمع لا يقرأ ، أننا نكتب لتأسيس رؤيا معينة هل سيتبناها أو يرد عليها المجتمع ..ببساطة الإجابة لا لأنه بالأساس لن يقرأها مع ذلك نستمر محاربين ظلماء الفراغ.
عن أوجاعنا الشخصية هي تتحول إلى مادة روائية أو قصصية فتفقد علاقتها بنا، يبقى الوجع عندنا و يسافر الأدب نحو القارئ.

هناك من يقول أن كتابة القصة كما طلقة الرصاصة لها صوت واحد ولكن القارئ لقصصك يلاحظ طلقات رصاص بمعنى تشده أنفاس النص الطويل ما رأيك بذلك.
القصة عندي تكتب بنفس روائي طويل و بلغة الشعر غالبا . أطرق أكثر من ثيمة في النص الواحد،فينفتح السرد على أكثر من سؤال تظل الأسئلة معلقة بانتظار قارئ يلملهما و ينتج النص الآخر الذي تطويه(تستره) شعرية اللغة

أنت تنتظرين صدور روايتك الأولى أظنها” “تواشيح الورد” هل يمكن أن تحدثينا عنها وعن أجوائها أولا وبعدها عن الفرق بين كتابة نص روائي وقصة ،وأين تجد منى نفسها.
تواشيح الورد هي عبور على صراط ناري يتأرجح بين الشك و القين ، تنفتح على أسئلة حضارية و أخرى إنسانية ..و اجتماعية ، تكتفي بالإشارة إليها ، و تترك للقارئ فك شفرات النص أسئلة و إيماءات نحو الإجابات.
أين أجد نفسي أعتقد الرواية أقرب إلى نفسي ، هي تتيح فرصة أكبر للاسترسال مع القلم ، أستشعر حريتي و أنا أخط السرود الطويلة ، على صعوبة الرواية و ما تتطلبه من حفر في مجالات متعددة ، من قراءة للنفس الانسانية و منجز الإنسان في كل الميادين.. أحبذها .
و أنا أكتب القصة الآن أجدتني أكتبها صرخة في عمق لحظة واحدة باختزالية و تركيز،بلغة الشعر غالبا عكس ما لاحظتَه في “احتراق السراب” التي كانت بنفس طويل

في الأخير ما راي منى بشلم في كتابة هذا الجيل الذي أغلبه خريج العالم التفاعلي وكيف ترين مسألة النشر الالكتروني في مقابل النشر الورقي اليوم.
الكتابة ممراسة شخصية لا يمكن أن نحكم على جيل بأكمله لأن الكتّاب متفاوتون ، بل إن نصوص الكاتب الواحد قد تبدو متفاوتة.
مسألة النشر الإلكتروني هي بصمة العصر ، فلكل عصر تقناته ..ضرورياته و ظروفه ،و النشر الإلكتروني كما أسلفت هو بصمة العصر و لا يمكن إلا الاستفادة منها . فيما يخص الكتاب الإلكتروني و الرواية الإلكترونية أجدها تتيح إمكانات لا يتيحها النشر الورقي.
المشكلة تطرح مع نقد النص المنشور في المنتديات الأدبية ، المجلات الإلكترونية، وكذا مواقع التواصل الاجتماعي الذي لا يتعدى المجاملة و المديح من أناس لا علاقة لهم -غالبا- بالنقد،إنها صناعة أطياف كتاب لا يعون مستوى نصوصهم الحقيقي ، عن نفسي مررت بتجربة عصيبة ،حيث كنت عضوة لجنة تحكيم مسابقة أدبية وجدتني أشتغل على نصوص لا تمت بصلة للأدبية و لما أعلنت رأيي هوجمت بعنف ، ثم علمت أن أصحابها مشرفون على قسم القصة و القصة القصيرة جدا ، اضطررت لترك اللجنة لأن ما أرسل إلي لم يكن أدبا من الأساس

كلمة أخيرة لك كل الحرية في توجيهها لقرائك خاصة قراء العالم التفاعلي باعتبارك صوت نشط.
كلمة أولى هي شكر كبير لك و جميل الشكر لكل من سيقرأ هذه الكلمات

السابق
رأفة القدر
التالي
ملك الغابة

اترك تعليقاً

*