مقالات

حول كتاب “نظرية الأدب في القرن العشرين”

حول كتاب ( نظرية الأدب في القرن العشرين) ترجمة د. محمد العمري.
المعالجة النّصية في ضوء معرفة بالعالم تحدّدها التاريخانية والتثاقف..

السخرية بعدّها قضية تمّ اقتراحها على مستوى الجنس والتقنية ،باعتماد نظرية” التردي” و ” التعارض”.
تلكم الجدلية القائمة على دلالتين عاطفيتين تزيح إحداهما الأخرى بالتناوب، فالهزلي هو” الطبيعة في الإنسان ” خلافا ومعارضة للشعري باعتباره ” الإنسان في الطبيعة” ، عبر حياد منتج ووليد لخاصية المزج بين طرفين على حدّيْ نقيض، الإيجاب والسلب.
[ في هذا المستوى النفسي/الظاهراتي يتبدّى التناقض بين الهزلي والشعري. وذلك ، على الأقل ،في التحليل الوظيفي للشعري الذي اقترحته، والذي لا يعدو في مستوى هذه النقطة وحدها أن يكون تطويرا أو بالأحرى تنقية للنظرية” الانفعالية” العتيقة للغة الشعرية.فالشعري يظهر في هذا التصور كقطب لتكثف اللغة والعالم حيث تتقدم الكلمات والأشياء كحمّالات أو دعائم ذات طبائع ” انفعالية” أو، حسب المصطلح الذي تبنيته،كمحمولات ” عاطفية” .وأقصد بهذه الكلمة معاناة تقدّم نفسها لا كاستجابة شخصية للذات إزاء وضعية ما، بل، على العكس من ذلك،كصفة جوهرية للموضوع.إن الشعري يعني، حينئذ، كما سيقول جويس،تجليَ وجه العالم المثير للمشاعر، حيث تنعدم المسافة التي تفصل أساسا الموضوع المتعرّف عليه عن الشخص المتعرِّف.وذلك لترك مكان لنوع من التواطؤ بين الشخص الذي يحسّ والموضوع المحسوس به.

من ناحية مبدئية ،تعالج هذه الترجمة، نظرية الأدب العالمي، باستنفاذ أبرز المقالات والدراسات ،على أساس موضوعي صرف لا يتقيّد بمذهب معيّن،وإنما يعتمد المعطى ويتعاطى معه بما هو رصد حذق لتفاعلات المشهد الثقافي مغربيا وعربيا ،مع حركية البحث العالمي في نظرية الأدب،على امتداد خطّ زمني يناهز العقد ونصف، منذ بداية الثمانينيات لحدّ تاريخ إصدار هذه الترجمة،سنة1996عن إفريقيا الشّرق، لمؤلفها المغربي الدكتور محمد العمري،مكلّلا بذلك مشواره الإبداعي البحثي في غمار الترجمة،عقب كتب قيمة نذكرها تباعا: “بنية اللغة الشعرية ل جان كوهن” و ” البلاغة والأسلوبية ل هينريش بليث” و ” الاتجاهات السيميولوجية ل مارسيلوداسكال”.
تفجّر الترجمة منظومة من الإشكاليات،وتحفر في عمق مجموعة من التحولات مثلما شهدتها الساحة الإبداعية الغربية،مع الأخذ بعين الاعتبار،أصول تلك التحولات ،ووضعها في إطار نظري عامّ ،يتمّ تسليط الضوء من خلاله، على الحركة النقدية في تصاعدية منحاها،منذ تاريخ هيمنة النقد الإيديولوجي في فترة السّبعينات، مرورا بزمن ظهور البنيوية التكوينية وصولا إلى ميلاد البلاغة اللسانية الشكلانية ،وأخيرا السيميائيات في أوج عنايتها بالبعد التداولي،وتوهّج روح تعاطيها مع نظرية التلقي بالإجمال.
إنها دورة كاملة،لانتقالات مفاهيمية ومراوحات ما بين دلالات النص الوثيقة / النزعات الوضعية،والنّص التّحفة/النزعات الشكلانية، وختاما النص العلامة/دومين السيميائيات.
وقد استثمر صاحب الترجمة ، توجّهين محوريين بغية إبداء حجم الاحتفاء بجوانب جماليات التلقي في الدراسة الغربية للنص في تلك الفترة، بحيث منحت الأولوية للمقام التواصلي في ثلاثية أبعاده: النص،المرسل،المتلقي.
وهو طرح يقود إلى البرنامج التالي:
1 ـــ النزوع إلى تمييز الأجناس.
2 ـــ تجاوز الإشكالية الأجناسية.
فعلم النّص ،من منطلق ” فان ديك” ، ليس سوى ممثّلا عصريا للبلاغة.
وفي اعتقاد “ياوس” النص في إلحاقه بنظرية التلقي، يعتبر نافذة على أحد الاتجاهات المهمة في هذه النظرية، الاتجاه التاريخي ،وهو المسعف والأكثر مواءمة لاستنطاق تراثنا الأدبي العربي.
ويتوسّط هذين الموقفين، بين حالتي التعقيد واليسر، نصّ ” ستاروبانسكي”، على حد تعبير المؤلف.
ويمكن تبويب الكتاب إلى مباحث خمسة، في أولاها يتم تناول خصوصيات المدرسة الوضعية في منبتها الفرنسي، ليتفّشى منها هذا المنهج ، في بلاد أخرى ، المنهج القائل بوثيقة النص المدروس في وظيفته المحيلة على المرسل.
ليكون الاصطدام بعد ذلك عنيفا، بحركة مضادة للوضعية، برزت في ألمانيا تحديدا،تقضي بضرورة الفصام والقطيعة مع التاريخية ، الحركة المنسوب إليها اجتهاد تجاوز مفهوم النص الوثيقة وتخطيه إلى النص التحفة والذي سوف يحظى فيما بعد بدعم إضافي عزّزته فلسفة ” مارتان هيدجر”، في خضم مقاربات تناوئ ما بين الدلالة الأولية/المعنى الحرفي للنص، و الدلالة المنزاحة عنه/المعنى الأدبي للنص.
وقد تخلّلت هذه الوحدة خطوطا عريضة، عولجت بدقة ودراية وإحكام:
1 ـــ تفسير النص والتأويل المحايث.
2 ـــــ النقاش المنهاجي في ألمانيا وفرنسا خلال فترة السّتينيات.
3 ـــــ الشكلانية الروسية.
4 ـــــ البنيوية التشيكية.
5 ــــ النقد الأمريكي الجديد.
فيما المبحث الثاني ، نقلا عن ” فان ديك” ، يتطرق إلى آليات التحليل من خلفية علم النص ، في شطري النص والسياق، بما هذا النمط من التحليل، نتاج لذات شارحة بالنهاية،وبناء على فعل ذهني مؤطر للخصوصيات بغرض الوقوف الواعي عند البنيات والوظائف النصية.
ولقد أدرجت في المبحث المحاور التالية:
1 ــ مبادئ التحليل النصي.
2 ـــ مفهوم النص.
3 ــ النص كمتوالية من الجمل : الفنولوجيات والمرفولوجيا/ التركيب/ الدلالة.
4 ـــ المحتوى الإجمالي للنص: البنيات الكبرى/ الحذف/ التعميم/البناء.
5 ـــ الخطابة الإجمالية للنص: البنيات العليا.
6 ــ أسلوب النص.
7 ـــ البنيات البلاغية.
8 ــ السياق التداولي: النص كفعل أو أفعال للغة.
9ـــ السياق المعرفي: فهم النص.
10 ــ السياق الاجتماعي/ النفسي: تأثير النصوص.
11 ــ السياق الاجتماعي : النص في التفاعل وفي المؤسسة.
12 ــ السياق الاجتماعي: النص كظاهرة ثقافية.
في حين يعالج المبحث الثالث ، جدلية الهزلي والشعري، عن ” جان كوهين” .

لقد حظيت السخرية بحظ وافر من الاهتمام من لدن البلاغيين واللسانيين والتداوليين،سواء فيما يتعلّق بالأدبيات المطبوعة أو المشخّصة، وأيضا الكتابة الصحفية و النقد بنوعيه السياسي والاجتماعي، ناهيك عن جوانب المعاش و الحديث اليومي.
السخرية بعدّها قضية تمّ اقتراحها على مستوى الجنس والتقنية ،باعتماد نظرية” التردي” و ” التعارض”.
تلكم الجدلية القائمة على دلالتين عاطفيتين تزيح إحداهما الأخرى بالتناوب، فالهزلي هو” الطبيعة في الإنسان ” خلافا ومعارضة للشعري باعتباره ” الإنسان في الطبيعة” ، عبر حياد منتج ووليد لخاصية المزج بين طرفين على حدّيْ نقيض، الإيجاب والسلب.
[ في هذا المستوى النفسي/الظاهراتي يتبدّى التناقض بين الهزلي والشعري. وذلك ، على الأقل ،في التحليل الوظيفي للشعري الذي اقترحته، والذي لا يعدو في مستوى هذه النقطة وحدها أن يكون تطويرا أو بالأحرى تنقية للنظرية” الانفعالية” العتيقة للغة الشعرية.فالشعري يظهر في هذا التصور كقطب لتكثف اللغة والعالم حيث تتقدم الكلمات والأشياء كحمّالات أو دعائم ذات طبائع ” انفعالية” أو، حسب المصطلح الذي تبنيته،كمحمولات ” عاطفية” .وأقصد بهذه الكلمة معاناة تقدّم نفسها لا كاستجابة شخصية للذات إزاء وضعية ما، بل، على العكس من ذلك،كصفة جوهرية للموضوع.إن الشعري يعني، حينئذ، كما سيقول جويس،تجليَ وجه العالم المثير للمشاعر، حيث تنعدم المسافة التي تفصل أساسا الموضوع المتعرّف عليه عن الشخص المتعرِّف.وذلك لترك مكان لنوع من التواطؤ بين الشخص الذي يحسّ والموضوع المحسوس به.
يظهر الهزلي من هذه الزاوية كنقيض، من جهة المعاناة، للشعري لأنه نفي للانفعال، مباعدة للموضوع وتجريد للعالم من العاطفة،فالشعري والهزلي يحدّدان إذن قطبي محور التكثيف حيث يبلغ أقصى كثافته عند قطب الشعري وأدناها عند قطب الهزلي،وبهذا المعنى كانت النظريات الثقافوية صائبة( فيما ذهبت إليه) من أن الهزل هو ضحك الذكاء، ولكنه يرجع إلى ذاته نفسها، لأنه نجح في الارتباط بالعاطفي لكي يعود إلى الفكري كما نجح في نزع سحر الجمال الذي يبقي الوعي أسير عالم مظلم فاتن ليعوضه بعالم لا مبال وواضح حيث يمكن أن نقول عن الأشياء معارضين بسخرية كلام روستاند ( ليست بعد إلاّ ما هي عليه).].

وفي المقابل ينصبّ المبحث الرابع ، عن ” كبدي فاركا ” على دراسة المقام في الأجناس الخطابية/القضائي والاستشاري والاحتفالي ،كما الأجناس الأدبية، في انقسامه ، أي المقام، إلى داخلي وخارجي، تمظهرات الأول ممكنة في العمل الأدبي، لضلوع الوظيفة التشخيصية في المسألة، الأدب المسرحي والملحمي والقصصي.
وعن المترجم ، نجد المبحث ذاته، وقد لامس العديد من النقاط الجوهرية حول المقام الخطابي والشعري معا، نذكر أبرزها:
المقام في البلاغة القديمة ، على غرار مقامات الأجناس عند أرسطو، وبلاغة الخطابة والشعر عند العرب، كالبيان للجاحظ( نظرية الإقناع) والبديع لعبد الله بن المعتز( نظرية الشعر) ،مثلما نموذجية الجورجاني في الطفرة من الشعرة إلى البلاغة، ثمّ المقام في البلاغة الجديد في بعديها الحجاجي والشمولي.

وختاما، المبحث الخامس، عن جان ستاروبانسكي، ويستغرق نظرية جمالية التلقي ، في إشادة بأعمال ” ياوس” وغيره من رواد مدرسة” كونسطانس” ، لالتصاقها بالفرانكفونية واتسامها بالجدة وصرامة الصياغة واتّساع الحقل الفلسفي والجمالي والمنهاجي الذي تمتح منه.
وكذلك ، بوصفها كتابة تنزع نحو الحوار الذاتي، ولا تلغي جهود الغيرية،وباعتبارها ضرب من فكر شديد الصلة بأفكار أرسطية وكانطية ، تأخذ أثر ووقع الفنّ في المتلقي بعناية وحرص بالغ، داخل حدود أنساق أفق التجربة الجمالية في محاولات ومغامرة تنصّلها من اشتراطات التاريخانية المعتقدة بإمكانية واحتمال صياغة جديدة للماضوية( التقاليد و المؤلفات الكلاسيكية) ،محاكية للواقع المولّي والحال المنصرم.

السابق
جحود
التالي
جبناء

اترك تعليقاً

*