القصة القصيرة

حية القمامة

يجن الليل ، يتسع بؤبؤ عين القمر ،تتكسر أليافه الزجاجية ، فوق حاوية القمامة القابعة هناك في رأس الدرب ، تنعكس شظاياها فوق عيون القطط و الكلاب ، فتبرق بريق البرق ، تحت مصباح مشنوق في أعلى عمود النور كإجاصة !
تعزف الصراصير معزوفة غربة الليل ، إيقاعها فوضوي غير مرتب .. تزيد من نشازه ،حرب القواطع والأنياب ، إذ يختلط الهرير بالمواء ، والأنين بالهسيس المكتوم !
فجأة تسكن الحركة ، يتحرك السكون !
قرب حاوية القمامة :خخخخ ٠٠ففففف٠٠شششش ٠٠خخخخ٠٠فففف ٠٠ششش !
صوت غريب ،عجيب ، مريب ، يعقبه صراخ مخنوق لكلب او لقط أو لبعض القوارض .
خأخأة ٠٠٠ فأفأة ٠٠ شأشأة ٠٠ !
أصوات تشي بابتلاع شيء ، شيئا آخر ، أصوات أشبه بشخير الميت ،أو زفير المحموم ، لا أحد يدرك حقيقتها ! ربما لا شخير ٠٠ ولا زفير٠٠ ولا أي شيء ،فقط محاكاة فقيرة ضحلة ،من مخيلات أتعبها الخوف ،لم تعد مسامعها تميز بين الأصوات !
تعم الفوضى أعشاش العصافير ،استنفاركبير بين الأحياء والأحياء !
تتحول [تفلت *] مدينة أشباح ٠٠ مدينة أرواح قادمة من الزمن الغابر ، اعتقاد يخنق فيهم شرنقة تفكيك شفرات هذا الصوت العجيب، و صورة المكان في هذا الوقت الذي يكتم أنفاس الناس !
يسد الليل عينا ،يفتح أخرى ،يتظاهر بالنوم ، يفك عقال مخلوقاته ،تهيم الهوام ،يرقص الملوك رقصة الانعتاق والحرية ، تصيخ حيطان [ تفلت* ] السمع ، وتجحظ عشرات العيون من الشقوق ،مرعوبة ، تقتفي أثر هذه [الخأخأة والفأفأة والشأشأة ] في نسيمات باردة ، متسللة عبرالثقوب !
حاوية القمامة : سر الأسرار ، عالم مبهم، غامض ،لا أحد يجرؤ على كشف خفيه! سر هامحفوظ ،ربما تحرسه قوى العوالم السفلية ، ومن يعلن التحدي و يركب عناده : دمه يباح ، للأشباح ، يهدر بين الأرواح الهائمة :
حتما : مفقود ٠٠مفقود٠٠مفقود ٠٠ أبدا لن يعود !
مد الرقبة خارج العتبة : مغامرة تكسر الأضلاع ، تمزق الأوصال ، غير محسوبة العواقب : انتهاك لحرمة معزل من معازل أهل المكان الخفية !
تلتحم أجساد بأجساد حد الحلول ، ترقص رقصة الأفاعي ، تمتص من بعضها البعض برودة الخوف من غرابة أصوات مريبة ،تحل محل النباح والهرير !
بمقدم أولى طلائع النور : تمد الأعناق خارج الأبواب بحذر شديد وتوجس ، يقصد سكان الحي ، حاوية القمامة ،يتفحصون المكان ، مسرح جريمة غامضة : لا قاتل ..لا مقتول ..لاشيء ..لاشيء .. فقط سائل لزج بلون المشيمة أومخاط المسلول ، يعم المكان ، وبعض آثار مرسومة على التراب ،شبيهة بحراشف السمك .. ريش طيور … عظيمات هنا ، هناك …وأشياء أخرى لم يميزوها ، الجريمة حاصلة لا محالة ، لكن : من المجرم ؟ وأين الضحية ؟ من القاتل ؟ وأين القتيل ؟
لا حديث عن شيء ،غير الزفير والشخيركل ليلة ،أحاديث ساخنة، تجد مرتعا خصبا في المقاهي ،إذ تفتح المخيلات للتخيل وأسطرة هذا الحدث المبهم ، الكل منشغل بالحديث عن الحدث !
أسئلة عريضة تخنق فيهم الرغبة في التفكير :
لماذا تتقلص أعداد القطط و الكلاب ؟
لماذا توشك أن تنقرض القوارض ؟
لماذا هذا الشخير والزفير كل ليلة ؟
لماذا الآثار الشبيهة بالحراشف ؟
يضع النادل براد الشاي أمام رواد المقهى و يقول ببلادة :
– إنها عروس البحر ،تأكل قططكم وكلابكم !
يعب أحدهم كوب الشاي دفعة واحدة ، ساخرا من النادل:
– هههههه ! أعروس البحر تأكل القطط والكلاب؟
-لكن قلتم هناك آثار حراشف ؟
-ومن أين ستأتي عروس البحر يا عريض القفا ههههههه ؟
يحدجه آخر بنظرة استهزاء وشماتة :
-هه إنه يدمن على قراءة (مجلة سيدتي ) !
يغوص الجميع في هستيريا الضحك، تطقطق مؤخراتهم كراسي المقهى القديمة تحدث صريرا مزعجا أحيانا :
ينسحب النادل متأففا، تمطره ضحكات السخرية ؟
-يا جماعة !هذه حراشف حية ،لا عروس البحر ، ولا عروس النهر ولا عروس البر،هي فقط التي لا تترك أثرا لجريمتها !
يضع أحدهم الكأس فوق المائدة بقوة وانفعال :
-هي قوة خفية يهابها الإنسان ،منذ عهد الكنعانيين!
يعلق آخر بثقة معرفية زائدة :
-ولكنها تزين هامة الآلهة و رؤوس الملوك وهي رمز للذكاء والقوة منذ عهد الفراعنة ، إنها الحية السياسية ! ما كنا لنموت لولاها ! ألم تسرق الخلود من آدم؟ ألم تسرق عشبته من جلجامش،أليست هي شيطان الخطيئة : خطيئة الشجرة المحرمة؟ عداؤنا لها أبدي وسيستمر مدى الدهر !
-يا جماعة ! هي سم قاتل، وقتلها و اجب و لو على قبر النبي! اقتلوها بلا رحمة ٠٠الحية، الحية رأس الحية ٠٠ إنها قاتل صامت لا يحدث غبارا !
وما دامت كذلك ، لماذا لا نتربص بها هذه الليلة ، ونتغذى بها قبل أن تتعشى بأطفالنا بين أحضان أمهاتهم عندما ينتهي آخر كلب أو قط أو فأر ؟
يسود صمت ثقيل ، يتبادلون نظرات تائهة بين القبول الرفض !
ينبري أحدهم متبرئا من هذا الرأي ويعتبره انتحارا :
-هذا رأي غير محمود العواقب :يا أصدقائي ،عظامي رخوة ، لا تحتمل العصر ، وهذه الحية لا تقتل ضحيتها إلا خنقا أوعصرا ، وديننا ينصحنا بأن لا ندفع أنفسنا إلى التهلكة !
بعد تردد كبير يصيح آخر :
-ولا أنا يا إخواني !
لست مستعدا لأن أضحي بنفسي لي أطفال صغار أعولهم ، وأنا لست [سميح الشجاع ] دعوني أروي لكم حكايته !
تعم جلبة ممزوجة بصرير الكراسي الملتصقة بالمؤخرات :
-يا هذا ! والله لقد شوقتنا ،من هو (سميح )؟ من هو هذا الشجاع ؟
– هاتوني آذانكم ، وبعد ذلك لكم قرار خوض المغامرة !
في زمن غابر ، في مكان ما في أرض الشام ، بين سوريا والعراق ،كانت حية عظيمة ،ذات رؤوس سبعة كل رأس أشبه برأس التنين الصيني أو رأس العنقاء ،تنفخ من جوفها نارا فتحرق الأخضر واليابس ، تستوطن مغارة سحرية ، كبيرة ، كثيرة المتاهات والأبواب ، تلتهم كل من يقترب منها في مضغة واحدة ، من حجيج وعابري سبيل هروبا من حر الشمس ، وقر البرد ٠
سمع سميح بأمر هذه الحية ،وكان شابا ،جميلا ، خلوقا ، شجاعا ، يهابه ملوك الجن الأخضر، ويحترمه بنو قومه ،يقرر ببسالة : أن يستأصل شرها ويحد من سطوتها بحد سيفه !
يفتحون أفواههم في دهشة واستغراب وتجحظ عيونهم ، تكاد تنط من المحاجر:
– وماذا بعد يا هذا ؟ أكمل قصتك ، تهمنا النهاية لا البداية فالأمور ، دوما بعواقبها تذكر٠٠ دوما بخواتمها تعتبر !
-لا تكونوا في عجلة من أمركم يا سادة :
حمل سميح الشجاع ، رمحا قديما ، وسيفا ، وامتطى صهوة حصان أعجف، نحيف ، وقصد بلاد الشام ، لمقارعة الحية ذات الرؤوس السبعة ، بعد مسيرة نصف العام ، مشيا على الأقدام ، يصل سميح ، ويخوض المعركة : يستمد قوته من عزمه وعزيمته ،يقطع رأسا ، فتنبت مكانها رأس أخرى ، أكثر قوة ومكرا وضراوة !
ظل يحاربها سبعة أيام ٠٠سبعة شهور٠٠ سبعة أعوام ٠٠سبعة قرون ٠٠ الدهر كله ٠٠ لا أدري !ربما لازال [سميح الشجاع ] يقطع الرؤوس ، والرؤوس تنبت ، وتنمو كخلايا السرطان !
-هذه أحاديث كتب صفراء قديمة ،حتما :حيتنا برأس واحدة ، ما أكثركم رعونة و جبنا يا جماعة !
دون [سرفنتيس ] حارب الرمال ٠٠ حارب طواحين الهواء ، برمح صدئ مهتريء ، و مطية جوعى ، يريد تغيير صورة العالم ، وأنتم عاجزون عن محاربة حنش صغير ،يبتلع قططكم وكلابكم كل يوم ،و هو في طريقه لاعتصار صغاركم٠ ولم لا ؟ فقد يأتي الدورعليكم أنتم أيضا ،يا كبارنا !
يصيح آخر وهو يغوص في أريكة جلدية حتى الكتفين :
-ومن قال لك بأنها برأس واحدة ؟ فقد تكون بسبعة رؤوس ،فهل توفق [سميح الشجاع ] في استئصال شر هذه الحية السباعية ؟
وهل نجح دون كيشوت في تغيير صورة العالم ؟
لا هذا ، ولا ذاك نجح، إنها مجرد أحلام ومحاولات !
بصوت جهوري، قوي ،ينم عن شجاعة صاحبه :
-هؤلاء ، حاولوا ،سواء نجحوا أو فشلوا ، فهم دائما ناجحون ، لأنهم حاولوا !
أنا متأكد بأن حيتكم مجرد حنش صغير، لا يرقى الى مراتب الحيات الكبيرة ،قد يكون تسلل في شحنة أخشاب يابسة ، قادمة من جبال [ أزرو* ] إلى فرن أحياء المدينة ، ربما لم ينتبه له سائق الشاحنة ولا مساعده !
فماذا قررتم يا جماعة الرجال ؟
أنقتل هذه الحية أم نتركها حرة ،تعيث فسادا في البلاد و العباد ،أ ننتظر حتى تقتلنا وتفتك بالخف والظلف و تدمر السلالة ؟
يتبادلون نظرات حائرة متوجسة ، لا تعرف ما تقدم و ما تؤخر ٠وكان النادل لتوه ، بدأ يجمع الكراسي والموائد ، ويستعد للإغلاق !
يقررون في عجالة وهم يهمون بإخلاء المقهى :
-سنخوض الحرب ضد هذه الحية الملعونة ، لكن ، بعدما نعرف عدد رؤوسها ، وطبيعة هذه الرؤوس ، ربما تكون عصابة من تنانين صينية تنفث نارا فتحرقنا جميعا ، و نتأكد من صلابة سيوفنا ورماحنا ، ومدى قدراتنا ،حتى لا نخسر المعركة !
ويستمر الشخير والزفير يحبسان الأنفاس !
وتستمرمحنة الكلاب والقطط والقوارض!
ويستمر الخوف والرعب يعم كل الدروب !
وتظل الحية حية تحيى بينهم ،والمعصور أطفال صغارفي الزمن القادم، وفي
القريب ،القريب جدا ، سيأتي الدور على الكبار لا محالة ، لا أحد يستعصي عن عضلاتها ٠٠ لا أحد يفلت من بين فكيها !
وتظل الحية بينهم حية !
____للتوضيح ____
[تفلت *]: مدينة صغيرة في شرق الرباط٠
[ أزرو*] : من أجمل مدن الاطلس قرب افران ٠

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
الصرخةٌ
التالي
غضب الملكة السَّعلاة

اترك تعليقاً

*