القصة القصيرة جدا

خربشات مشبوهة

ما ظننت يوما أن ما ألهي به نفسي من رسومات لمنحنيات ومربعات سيجعل مني المطلوب رقم واحد لدى أعتى الأجهزة الأمنية في المدينة. كنت أكتب ما لا أقدر على البوح به بشخبطات لا يفهمها أحد غيري متسترا بخوف متوارث حط رحاله في مدينتنا واستوطن فيها، لا يكاد يخلو بيت من ربطات عنق قديمة يستخدمها الذكور عندما يتغلغل الخوف في نفوس الإناث والأطفال ويلوذون بالصراخ. في لمح البصر يجدون أنفسهم مكممي الأفواه يبتلعون صراخهم ويغصون بلعابهم. كنت من بين هؤلاء أصرخ على الورق بتلك الخربشات التي جعلتني رجلا مهما ولكن فيما بعد أصبحت منفيا. غادرت موطني وفي جعبتي حنين لم يفارقني إلى الآن. حنين لذاتي التي تركتها مدفونة تحت أنقاض أحلامي، وشوق لذاك الطفل الغافي في الحضن الدافئ، وأيضا رغبة ملحة في الانعتاق من كل هذا. تأبطت كل هذه التناقضات ورحلت بعيدا لا وجهة محددة لي، كل همي كان منصبا على استكشاف ذاتي من جديد تحت سقف وطن بديل. “روز” صديقة الطفولة، ماذا تفعلين الآن في غيابي؟ لم أودعك؛ فهم لم يتركوا لي مجالا لهذا الترف. أجل يا”روز” وداع من نحب أصبح رفاهية وبذخا، هكذا قال لي ذلك العملاق الخارج لتوه من حلبة مصارعة ، عندما اصطحبني للتحقيق رغما عن أنف أمي التي تمسكت بي باكية وهي تشدني من سترتي إلى أن تمزقت بين يديها، وسقطت مغشيا عليها. كان هذا آخر عهد لي بها. ما زلت أحتفظ إلى الآن بتلك السترة الممزقة؛ فهي كقلبي المقسوم نصفين، نصف هناك بين يدي أمي ونصف هنا. آه كم أشتاق! في هذه اللحظة بالذات إلى رائحة حساء العدس لجارتنا “أم عبدو” وفطائر “زهية” التي كانت تخصني بها على أمل ظل يراودها لكسب ودي. ليتك هنا يا زهية، لكنت أصبت بالتخمة من فطائرك. أشعر بالبرد والحر في آن معا، لست هناك وأيضا لست هنا. أين أنا إذن؟ لولا هذا الجرذ الذي يلقي علي التحية على مدار الساعة لما تأكدت أنني بين جدران عفنة وكل ما أخبرتكم به ليس إلا هذيانا وهلوسة.

السابق
باولو
التالي
هندسة

اترك تعليقاً

*