القصة القصيرة

خربوشة والرقص القاتل

تشرنق يرقة مخبولة بين مخي ومخيخي ، تنهش تلافيف دماغي من حين لآخر ، حمم في جوف بركان تبحث عن فوهة الخلاص ! ،أضع الصدغين بين الراحتين وأضغط بقوة ! تشوش ذاكرتي المثقوبة أفكار سقراطية !تقول يراقتي المجنونة:
-الرقص يقتل ! وهذا آخر ما توصلت إليه مختبرات الشرطة العلمية !
– أنا لم أسمع بهذا من قبل يا مخبولة !
-سأقص عليك قصة الشيخة المسفيوية التي قتلها الرقص ،إسمع :
– الربيع يزهر: تتناسل الكائنات الحية من الفيل إلى البعوضة ! في الصيف تزهر المحاصيل ! تورق أزهار الصبار والكروم ! تزهر الحياة في نفوس مئات العرسان ! كل يركب فرسه بطريقته الخاصة ! االشيخة المسفيوية قرادة تقتات على أفراح هؤلاء السلاطين الجدد وتمتص دم هؤلاء العرسان ! أ قصى درجات الفرح تفتح أمامها الجيوب على مصراعيها و تدر عليها خيرا عميما دون حساب !
الحائط مبلط بالتراب والتبن ! يشي بوضع العريس الاجتماعي ! تبرجها هذه المرة لا يثير لا انتفاخا ولا ارتعاشة قلب و لا انفجارا ساخنا ! تسند ظهرها للحائط ! تتحسسه ثمة شقوق : شعيرات البرق تنتشر من شرق السماء إلى غربها ، من شمالها إلى جنوبها ! تتوجس خوفا من هذه الشقوق : تزدرد ريقها ، يجف حلقها ! تمرر يدها على جبينها ، لا يزال ملطخا بمرهمات رخيصة من صنع صيني ! تتلمس من مهوى القرط ، إلى النحر، ثديها الأيمن ترهل كما الأيسر! تضيق الحمالة درعا بهما ! تقذف رئتها زفرة ساخنة ممزوجة بحزمة أشواك تخز حلقها ، تعبد الطريق للكلام :
– الجيد ارتخى ! الثدي حبة فلفل مشوي ! الشعر المتضوع برائحة الحناء أشعث من عش الغراب !
بلورتان زجاجيتان ،شفافتان تتسكعان ، يمحوهما كم القفطان ! يملأ الكحل عينيها العسليتين الذابلتين ! حروف الجمال تومض وتخبو بين الفينة والأخرى! ترسم قبلة حارة على جبين أيام زمان ! تتكور الحسرة في حلقها تؤلمها ! تنهشها براثن الحاضر و المسقبل : بحر هائج مده بعشرات الأمتار وجزره بسرعة البرق !
حشرجة بكاء مكتوم على مضض خوفا من شماتة الشامتات !
غريمتها : حية رقطاء تتبرج أمام الحضور ! تبرجها ممزوج بشبقية عاهرة محترفة ، تطمح لاعتلاء عرش زبوبيا ! لكل حشد من القلوب بلقيس تحكمه ! أسباب اعتلاء العرش متوفرة : ردفان مكتنزان ! بطن ضامر ! نهدان مشدودان إلى الصدر بدون حمالات ! علبة معلبة بإحكام لم تعبث بها يد الليالي الحمراء بعد ! ضيفة جديدة مرحب بها في عالم الضياع !
تلفظ الجيوب أسرابا من الحمام الأزرق ، تحوم حولها وتلفها من الخصر إلى مضرب جيبها ،تتفل يمينا وشمالا و تغرز أصابعها في عين الحسود !
يعالجها (الكمنجي) ببعض الجرعات من دخان غليونه الطويل ،المرصع بالنحاس، يقذف ببقايا الكيف ،ينظف الغليون و يضعه في غمده ! وبابتسامة عريضة :
– (خربوشة،)أم (حاجتي في كريني)،أم (عيطة حصباوية )أم (زعرية) ؟!
-كما تريد يا سيدي ، انت الرئيس !
الشيخة المسفيوية مولوعة بخربوشة منذ القديم في كل مناسبة تستحضر مثالب الطاغية عيسى بن عمر قائد عبدة ودكالة وتتغنى بانتصارات خنساء هذه المناطق ؟!
ابتلعت ريقها وأجابته بامتعاض وبتهكم :
– سلعتك الجديدة ، تتقن (خربوشة ، حاجتي في كريني ) وتتقن السواكن وتحفظ (العلوة )أم أنها لا تتقن إلا عض الشفة السفلى وشد الحزام على الخصر و ضغط الأثداء و الأرداف حد الانفجار ! خربوشة ملحمة وعي المرأة المغربية الشاعرة /المغنية ، وخربوشة كانت مسترجلة أكثر من الرجال ، شوكة في خاصرة القائد عيسى بن عمر كبير عبدة ودكالة !
شعرت به من نظراته وكأنه يقول :
– العين لا تعلو على الحاجب ! أنت رأس الفرقة وأنت شيخة الشيخات ! السلعة الجديدة صورة الفرقة و أنت الصوت ،وكل يليق لحاجته ! هي تعرف تحريك الردف وتبالغ في خشخشة الحلي تباهيا ! هي لاتعرف إلا اقتناص الزبناء من الأعراس ! هي شبقية وليست أصيلة ، لا تحفظ لا خربوشة ولا الحصباوي ، لكننا نقتات على عرقها هي أيضا ، فأنت صاحبة العقل والرزانة !
يداعب أوثار الكمنجة في ميزان رقصة شعبية على القعدة ومطلع لخربوشة يلهب حماس الجماهير ويشمتون في الطاغية عيسى بن عمر وتعم فوضى الرضى والاستحسان :
*خربوشة ماشي قصارة وركزة !
*خربوشة نخوة و عزة تشفي الجراح وقت الحزة !
*فينك أ عويسة وفين الشان والمرشان !
*تعديت وخسرت لخواطر وظنيت القيادة على الدوام !
تشابكت أيدي الحضور ودفعت بشاب مفتول العضلات يتقن فن الرقص على القعدة : حوافر حصان تداعب جنبات تلك الأداة محلية الصنع ! تختلط خشخشة العقيق الذي يزركش القفاطين بالحلي والجواهر على الأيدي والأعناق والخلاخل ، في الارجل . يرتب رئيس الفرقة موسيقاه ويضبط تنافرها ! تتحرك ثقيلة الردفين في غنج يوقظ أعشاش الدبور في نفوس ضعاف النفوس : تجر تلابيب قفطانها في حركات استعراضية لمفاتنها ، فهي لا تعرف إلا إثارة الغرائز والنبش في المكبوت وابتزاز الجيوب إلى آخر فلس !
صوتها ترهل منه القوام وبدأ يتداعى ، ويرتخي كالشمعة فوق الحديد الساخن : صورة بلا صوت ،،لكنها ملح الفرقة !
أما شيخة الشيخات : تعرف أكل كتف الساكن ، تدخل في غيبوبة قمة النشاط ! تستحضر مآسي عبدة ودكالة ،صوتها : اتحاد و حلول صوفي في تلك النفوس المقهورة ، ذاكرة حفاظة وسرابة !خربوشة : تهزم الجيفة عيسى بن عمر ،وتعفر وجهه في التراب! فهي تمسح ضعفها بقوة خربوشة،تماضر قبيلتي عبدة ودكالة !
روائع الحصباوي و السواكن فن يتمسك بتلابيبها : طفل صغير يحكم قبضته على أهذاب أمه ! شباب اليوم : لا عيطة ولا ساكن ، لا خربوشة ولاحصباوي ! يلهتون وراء الأرداف المكتنزة والأثداء المشدودة !
الكبار يثأرون من القائد عيسى بن عمر لذلك لا يهتمون بالأرداف ولا بالاثداء سواء كانت مشدودة أو مترهلة ،يبحثون عن الصوت لا عن الصورة !
لطمها كلام والدتها كالصفعة على القفا :
-طريق الكمنجة والقعدة والليالي الحمراء غير سالك ! قمة الضياع ! عيسى بن عمر لا أنت من ثوبه ولا هو منك ، زمنه غير زمنك ! تسترجع الأيام الخوالي فتضرب على القلب قبل الفخذ ! لا سترة ،ولا زوج ، لازواج ،لا ولد ولا أولاد ! حياة الضياع ! سمعتها : إعصار يسبقها ! تصعد منحدرالجبل بدل نزوله ! تتلقفها أوثار الكمنجة وتتيه بين رنين الكؤوس ،و تألف اختلاف الروائح ! الجمال هالة القمر خلف غيوم شاردة ! غنت في أفراح قريناتها وهاهم أولادهن يتمتعون بمفاتن غريمتها ! تصيبها نوبة بكاء مكتوم ، تبتلع حسرتها و تمسح دموعها بكم قفطانها !
تقترب منه حتى تلامس انفاسه انفاسها وتهمس في أذنه :
-العلوة ! العلوة ! العلوة !
يستحسن الجميع اختيار الساكن ويصيحون:
-العلوة ! العلوة !
يحتد إيقاع الكمنجة والقعدة، وثقل الأرداف يدك الأرض غير المبلطة ! تغوص في شطحة صوفية ، تريد مسح مسحة الحزن هذه الليلة ! لم يمنعها السن والترهل من الرقص المجنون تعانق الفراغ ،الضياع ! تحلق بعيدا وأوثارالكمنجة تدغدغ قلبها ، تنتشلها حياتها المسروقة من غيبوبتها ! كانوا يقيمون قداسا لعرقها من رأسها إلى أخمص القدمين ! يضيع منها كل شيء ،تتلف حتى حركاتها الشبقية ! تروح في نوبة رقص ، مجنون ! ذاكرتها شريط سينمائي سريع الايقاع يستحضر حياتها : ما مضى منها وما سيأتي ! تتكور فقاعات ثلجية فوق شفتيها الحمرواوين ، وتغوص عيناها في محاجرهما ! تتهاوى من فوق القعدة ! يتلقفها ذلك الشاب عريض المنكبين ،يسندها على ركبتيه ! تنفرج شفتاها :
-شريبة ماء باردة ! شريبة ماء باردة !
ناولها الشاب الماء البارد يندلق على شفتيها ،تجحظ عيناها وتلتفت يمينا ويسارا ! تزفر زفرتها الأخيرة !
تغمر الدموع عيني الشاب ، يغلق عينيها ويسحب فوقها ثوبا أبيض ، يقول و العبرة تخنقه :
-أعلنوا الوفاة يا ناس ! أعلنوا الوفاة ! عزاؤنا واحد يا ناس !
ويتسلل في زحمة الحشود المتجمعة حول الجثة ، تبتلع حسرتها وحزنها. !

للتوضيخ :***************
*الشيخة المسفيوية : مطربة شعبية ، نسبة لمدينة آسفي .
*خربوشة : مطربة شعبية مناضلة وشاعرة ، قاومت جبروت القائد الطاغية ادريس بنعمر .
*الحصباوي فن من فنون العيطة الشعبية التراثية المغربية .
*العلوة :ساكن ، اغنية شعبية مشهورة في الطرب الشعبي.
*الشيخة : هي المطربة الشعبية مثل العالمة في مصر ،
*دكالة وعبدة : قبيلتان مغربيتان كبيرتان ،

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
عٌشّ
التالي
عصير الجبين

اترك تعليقاً

*