القصة القصيرة

خروج أم خراج ؟

خرجت خفيفا و بسرعة إلى البقال المجاور لمنزلي بغية اقتناء بن لصنع قهوة معطرة حتى أتابع صحبة زوجتي الفيلم الأجنبي المشوق ، و هي التي اعتادت على متابعة مسلسلاتها لا تبغي عنها بديلا ، فاستغربت لرغبتها و أدركت أن حديثي عن الشريط قد أتى أكله ، أو إنها رغبة كانت ثاوية في أعماقها بمشاركتي هواياتي ، أما ابنتي فقد اتخذت لنفسها ركنها الرسمي ، و بقيت تترقب زمن العرض، هي التي تتابع كل ما يعرض على الشاسة ، الرسوم المتحركة ، و المسرحيات ، و المسلسلات ، فرغم صغر سنها و حرصنا على أن تتابع ما يناسبها ، إلا أنها أصرت على استهلاك الصور بمختلف انواعها.
فتحت الباب و كانت الشمس قد خضبت الأفق بحناء الوداع في مسيرتها نحو أفق جديد تهبه كرمها.
وصلت المحل، و قد طرق سمعي صوت كوكب الشرق يصدع بأغنية “أطلال”، فوجدت رجلا محترما يلبس جلبابا أبيض و بلغة صفراء ، طويل القامة ، ضامر الجسد ، لباسه لمناسبة يوم الجمعة ، كان شعره مصفوفا بعناية و على عينيه نظارة تخفي حولا. طلبت غرضي و بقيت أنتظر التلبية ، و لست أدري أي شيطان دفع الرجل إلى لي يده اليسرى ، و فتح كفه فاسقامت أصابعها و سار بها إلى… حيث بدأ بالحك غير عابئ بمن حوله، شعر بعدها براحة جلية بدت على وجه الذي غادر للحظة تغضناته.
أحسست بامتعاض ، فطلبت من البقال أن يسرع عملية مدي بالمطلوب ، و كان منشغلا بجمع حاجيات الرجل. استعاد هذا الأخير وضعه الأول ، ليذهب بسبابته إلى منخريه و كأنه ذاهب إلى منجم ليستخرج معادنه النفيسة ، ظل يدير الأصبع هنا و هناك ، ثم يخرجها و قد كلل بنانها بشيء غريب قام بتكويره ثم القذف به ، ألححت على البقال مجددا بأن يمدني بالمطلوب حتى أتفادى إفراغ ما في جوفي ، فقد شعرت بدوران معدتي و سائل يصاعد من أعماقي إلى فمي ، ما لبث الرجل ، نكاية في ربما ، أن تنحنح و كح. اجتمع في جوفه سائل أخضر ، جمعه ثم قذف به كما لو كان يريد إسقاط طائرة غازية ، صادف أن خرجت امرأة في أحسن زينة ، من محل كوافير ، ترتدي قفطانا من الموبرا أحمر مزينا برسومات تشبه الخناجر ، و شعرها قد رتب بتسريحة كبار الفنانات ، فسقط السائل على الثوب الرفيع و الثمين ؛ و كانه ألقى بعود ثقاب في برميل غضب متفجر لا يبقي و لا يذر. أخذت البن بسرعة ، و بسرعة عدت إلى منزلي متفاديا خصاما شرسا ، ستتمرغ فيه الفضيلة ، و تتساقط القيم ؛ لأني أعلم من أين يستقي مفرداته ؛ أعلم ذلك من الندوب التي تزين ساعدي و بطني ذات شجار ركبت فيه سمت الرجل الطيب ، و سعيت بكل نية سليمة أن أفض النزاع بالحسنى فبارت تجارتي و خرجت من الحلبة بطعنات كادت تودي بي ..و لم تنته القصة عند هذا الحد ، فبعد معالجة صرت رحالة أتنقل بين أقسام الشرطة و العدل ، تاركا شغلي و مصالحي. كنت في أعماقي أرجو أن تخرج النمرة أطافرها و تغرسها في وجه الزبالة ، أو أن تسقطه في الماء الآسن المتكون قرب المحل ، لتذكره بنتانته ، و تغرمه مالا صرفته على تبرجها لتحضر مناسبة
زفاف أخيها الأوحد. المرأة الشابة هي زوجة أحد أقارب صديقي ، و أخوها شخصية رفيعة في سلك القضاء. الحقيقة أنها لم تتغير كثيرا ، كانت نحيفة و ها قد صارت ممتلئة في غير ما إفراط..
دخلت الدار مضطربا و في شوق إلى تفريغ جوفي مما اجتمع فيه من غيظ. صنعت القهوة ، و أفرغتها في كوبين ، داعب أرنبة أنفي عطرها الفواح ، فشعرت بارتياح . اتخذت مكاني قرب زوجتي ، سعيد بدفئها، و مشاركتها لي.
نحتسي ما صنعته يداي ، و قدأـطفأنا الإنارة ، و نحن نتابع أحداث الشريط المتميز بحركيته و أحداثه المشوقة ، حيث المطاردة عبر الأسطح و بالسيارات ، لقطات من فوق و من الجوانب كلها ، بصورة غاية في الوضوح ، و صوت صاف لا تشوبه شائبة ، كل ذلك بسرعة فائقة تخلق في النفس الأثر المتوخى .و كانت زوجتي كلما اقتربت الشفاه من الشفاه تغير القناة إلى أخرى حتى حين ، و هي تفعل ، شدني خبر في جريدة المساء يقول : تم إطلاق سراح المحامي البلجيكي الذي لطخ سمعة و شرف الكثير من بنات و نساء مدينتي، بعد أن صورهن في أوضاع مخلة ، و نشر كل ذلك في بعض المواقع الاجتماعية ، و تمت محاسبة الضحايا لكونهن هن من قمن بغواية الرجل. أسقط في يدي،فضيحة كبيرة لا ينال فيها الجاني عقابه. نعاود المتابعة خوفا على ابنتنا الوحيدة من أن تخدش طهارتها فتتعلم ما لا ينبغي تعلمه ، فحشومة أن تتعلم البنت القبل في مثل هذا السن ، لا ينبغي لها ذلك إلا حين تتزوج.
و نحن في غمرة المتابعة و الشعور بمتعة القهوة و الفيلم ، سمعت طرقا على الباب ، حين فتحته وجدت رجالا يطلبونني للشهادة.

السابق
توقيع على جـرس الموت ..؟
التالي
تكتيك

اترك تعليقاً

*