القصة القصيرة جدا

خرورٌ

البيانات العسكرية تتوالى، أزيز الطائرات لا ينقطع، زجاج النوافذ مطليٌّ بالأزرق للتعمية، صفارات الإنذار لا تهدأ: المتقطعة للتحذير مِن بدء الغارة، والمتواصلة تعلنُ انتهاءها.
لم تكد فرحة أسرتنا المنكوبة تكتمل بنجاتنا، حتى ضربت أمي صدرها، معلنة وجودي بالداخل تحت الهدم، كان أسبقهم إليَّ جار طيب القلب سليط اللسان، أطلق بعض الشتائم، واقتحم الركام بجنان ثابت، وما لبث أنْ أتى بي يحملني؛ غافيًا، غافلًا عمَّا يدور حولي: فقد كان بي رمد، وعيناي محشوتان بالمراهم.
هجر والدي الفِلاحة؛ ليعمل بالمصانع، وينتفع بالتأمين الصحي والمعاش، تنقل بأسرته الصغيرة في مساكن الإيجار الضيقة، فلما استقر في العمل، دفع نصيبه مِن الميراث مقدمًا لقطعة أرض، وشد الحزام؛ لينهض ببناء طابق يتيم يؤوينا، وضاعف جهده؛ ليسدد الأقساط الملتهبة، قصرت المؤونة عن تشييد السقف الخرساني، فاكتفى بتمديد سقف خشبي، مشدود عليه لفائف المشمع والخيش، يظلنا مِن الحر، ويوارينا عن الأعين، مع أولى زخات المطر بدأت تُسمع طرقعات خفيفة، لم يُعِرها اهتمامًا كثيرًا؛ بل عزاها إلى مناورات القطط والكلاب، والدتي وأخواتي يكافحن المياه المتسللة، ببث الأواني البلاستيكية والمعدنية، فإذا امتلأت أفرغْنها، وأعدْنها لترابط في ثغورها بالميدان.
صمدت الجدران؛ ولكن السقف المثقل بأحماله أبى إلا أنْ يخر علينا، سقط عرق خشبي غليظ على ظهر أبي وهو راكع، انفلت مِن صلاته فزعًا، كم كان يحس بالأمان في بيوت الطين واللبن، فلما نزح للمدينة سكنه القلق، ظل يتوجس خيفة منتظرًا أنْ ينقض علينا جدارٌ، في ساعة مِن ليل أو نهار. كان نصيبي مِن الموقعة بعضُ الغبار.

السابق
هندسة
التالي
فزَعٌ

اترك تعليقاً

*