القصة القصيرة جدا

خروقات

أول عبور لي كان محفوفا بالعثرات؛ فشهقتي الأولى ترافقت بموت والدتي أثناء المخاض، وهذا يعتبر شؤما في مجتمع ضيق يطبق على الصدور كحبل المشنقة على الرقاب. منبوذا عشت في أسرة عمادها أب متزمت، نهل من موروث بال؛ فجعل من أفقه أضيق من ثقب الباب الذي كنت أراقبه من خلاله وهو يعد النقود خفية ويخفيها في فراشه. هل يكره أب ابنه؟ لطالما سألت نفسي هذا السؤال، ولم أجد جوابا له. لا أذكر أنه عانقني مرة أو أثنى علي. جل اهتماماته كانت محصورة في تكديس الرزم النقدية وشمها بعمق وكأنها عطور باريسية لبيير كاردان أو إيف سان لوران. اعتدت الأمر حتى أنني أقنعت نفسي بأنه أب مثالي لا مثيل له في القرية كلها. أن تنشأ وسط هذا الكم من عدم الاكتراث بوجودك، وتستمر فهذه والله معجزة المعجزات. تجري الأمور معي على نحو غريب بعض الشيء؛ فلم أعد أشعر بوجود أحد، لكأنهم أطياف غير مرئية، أو أجسام هلامية لا ملامح محددة لها. هكذا عشت بينهم، ألامس الهلام فيهم وأخترقهم دون عائق. أخي الكبير الحاقد على كل من حوله بمن فيهم أبوه، كان ينعته بأبشع الصفات/عبد المال/ وحجته أنه بخيل إلى درجة لا تطاق. استطعت أن أختفي في جيبه دون أن يلحظني، وقبعت في إحدى الزوايا مترقبا ومتحفزا خوفا من أن تلتقطني إحدى أصابعه؛ فينكشف أمري، تقوقعت على نفسي كجنين في رحم أمه، ولم أشعر إلا بسيل من أوراق نقدية أخفتني تماما في تلك الزاوية. الإبن البكر يمتهن اللصوصية في دكان أبيه. أنهيت مهمتي على عجل لأبدأ من جديد مع أختي الوسطى حيث قبعت في حقيبة يدها قبل خروجها من المنزل إثر مكالمة عاجلة ادعت أنها من صديقة لها في الجامعة. ما إن وطئت قدماها أرض الشارع حتى رمت بنفسها في سيارة فارهة انطلقت بها بأقصى سرعة مخلفة وراءها موجة من الغبار، ثم توقفت أمام فيلا فاخرة، حيث كان في انتظارها شاب وسيم، حملها وصعد بها إلى الطابق العلوي، رمت بحقيبتها في الهواء؛ فارتطم رأسي بالجزء المعدني منها. لم أعد أسمع سوى تأوهاتهما تأتيني متقطعة تتخللها ضحكات ماجنة، بعد ذلك يبدو أنني رحت في غيبوبة ولم أصح من أثر الارتطام إلا عندما شعرت بالأوراق النقدية تملأ الحقيبة، وتغطيني. الأخت الوسطى تمارس الدعارة في منزل أبيها. خرجت من تلك الحقيبة خلسة وعدت إلى صومعتي غير آسف على تنكرهم لي، وإغفالهم لوجودي. صحيح أنني نذير شؤم كما يدعون، إلا أنني الحقيقة الناصعة في عالمهم المزيف.

السابق
رحلة
التالي
مفارقة

اترك تعليقاً

*