مقالات

خصائص وتقنية كتابة “الققج” من القرآن الكريم

يستفزني استفزازاً محبباً، في كثير من الأحيان، كتّاب يدفعونني للعودة إلى دفاتري العتيقة، حيث درجت على عادة تكثيف الكتب التي أقرأها، وتثبيت بعض أفكارها المعبّرة عن جوهر ما يرمي إليه صاحب المنجز، وهم بذلك يقدحون الذاكرة للعودة إلى دفاتري، التي أحزنني كثيراً غياب أغلبها بالإتلاف، والحرق المتعمد لمعظمها بسبب طارئ جلل لست بوارده… ولا أخفيكم سراً أن الكاتب العزيز محمد الصاوي في ردوده المليئة بالانحياز لمنجز الثقافة الإسلامية -وهو من حقّه الذي لا نلومه عليه- قد دفعني للبحث عن قراءات قديمة في منجز الزمخشري، تلميذ الجرجاني تلميذ الجاحظ، للوقوف على النظم القرآني الذي اعتبره الجرجاني مكمن إعجاز القرآن دون التفات لما عداه، فأضاف له الزمخشري علم الغيوب وخصائص أخرى.. وما دفعني لتلك العودة ليس الحديث في تاريخ افتقدناه، فكثر الغلاة في امتداح المنجز الغربي، على أنه ابتكاراً منفصلاً عن الحضارة الإسلامية، التي أوقف أصحابها مدّها الحضاري، للانغماس في صراعات سميتها “صفصطائية” مريبة، لاتدفع حركة الفكر إلا قهقرة.. وما أردت البحث عنه إذاً هو تلك الخصائص السردية الواسمة “للققج” ومدى صلاتها بنظرية الجرجاني البلاغية في النظم وتعديلاتها للزمخشري.. من خلال التبحّر في إعجاز القرآن الكريم..فقد وجدت مثالاً قوياً يوضح تلك الخصائص فيما قمت بتثبيته في دفاتري عن شروح الزمخشري للآيات الكريمات (الم، ذلك الكتاب، لاريب فيه، هدى للمتقين.) متأملاً في النسق الذي تجاوز فيه الزمخشري استاذه عن الوقوف على جملة أو جملتين ليطال الجمل الأربعة التي أشار إليها في النسق، إذ وعلى الرغم من قصور مقدمات الرجلين، الذين لم يتناولا النسق الكلي، لا في قصّ مكتمل، ولا في منجز كامل، طبع النصوص والكتاب بطابع ميزهم، وجعل لهم مدارس عقائدية، تحتذى عند الغرب كالمدرسة الكلاسية الآرسطوطاليسيه والرومنتيكية والانطباعية والواقعية والسريالية والوجودية والبنيوية وغيرها… نلحظ في النسق الجملي ما أشار له الزمخشري وثبت في خصائص كتابة الققج، قصر الجمل البليغة ذات المعاني: (الم، ذلك الكتاب…) بالإضافة لاتصال الجمل وتعانقها دون واسطة، كأحرف العطف وغيرها، وما تضمنته من حذف ورمز وتقديم وتأخير وتعدد المعنى والايحاء.. وكل ذلك من التقانات المعتمدة في صياغة “الققج” تمنح النصوص قوتها في هذا الفن السردي، وسوف نلمح الطاقة التي منحتها الجمل القرآنية في القراءة، عبر القدرة على الاسترسال في القراءة، دون توقف أو الوقوف على أي جملة للاستكمال بعدها، وفي كل جملة نرى جمالية النظم القرآني، بقصر الجمل وما حوته من سمات وخصائص، منحت كاتب الققج القدرة على جودة الصياغة.. فنلحظ الحذف والرمز في جملة (الم).. ونلحظ التفخيم والتعظيم بجملة (ذلك الكتاب).. وسبب السبك لجملة (لا ريب فيه) بالتقديم على الظرف، فيقارنها الزمخشري بجملة (لافيه ريب) عبر اختلاف الدلالة بين الجملتين، فالثانية لاتلغي الريب عن الكتب الأخرى، وقد تشير لوجوده فيها، كالقول في آية (لافيه غول).. ثم جملة (هدى للمتقين) التي حوت الكثير من قوة البلاغة والايحاء والسبك، عبر تنكير هدى واعتماد مصدر الصفة هاد، وتأكيد الديمومة والامتداد، لإن المتقين مهتدون أصلاً، كالقول في أصحاب الكرم والجود (أكرمكم الله)… أرجو أن أكون قد وفقت بالفائدة مما عرجت عليه وأثاره الصديق الكاتب.. لإثبات الصلات بين بلاغة القرآن الكريم واستفادة كاتب الققج منها.

السابق
القاتل
التالي
صمت

اترك تعليقاً

*