القصة القصيرة

خطوة للوراء

نظراتي الزائغة تتسلق جدران الغرفة الموحشة , تريد الهروب من جوها الكئيب الخانق , السعال يرتفع كنغمة تدل على قرب الاختناق .
الأفكار في راسي مزكومة بالهموم , تريد ان تتقيأ الوجع المركوم فيها منذ سنين , وقت البعد الطويل لم ينسيني فرحة اللقاء الأول .
سنوات وانا انتظر الوعد بلقاء قصير .
كل شيء سيخرج عن سيطرتي , كلماتي تخرج من فمي المرتجف المقيد بالارتباك , مشاعري تناطح كل الاتجاهات البعيدة و القريبة مني .
كل الوان اللقاء زاهية تبهج روحي , التي تغوص في بحر من الاشتياق المتعب .
– أنا كسابق عهدي , لم تغيرني السنين ابدا .
مقولتي في كل صباح لانعكاسي على مِرآتي المدمنة على اطلالتي الحزينة .
بوصلتي كانت نبضات قلبي المتسارع كلما اقتربت من مكان اللقاء , وخيالي الذي يرسم لي لقطات المشهد .
النظرات اول من يصل دائما , الخجل يفتح مصارع الأرض , اليد ترتعش وهي تلقي التحية و تتذكر اللمسه الأولى .
– تفضلي بالجلوس , اين توقفنا في اخر كلام بيننا ؟!.
– كم مضى من الوقت ؟!.
– كان في ظهيرة يوم من شهر تموز , ساخن بالشجون , من سنة 1997 , على ما اذكر .
– كل هذه السنوات مضت بسرعة هكذا ؟!.
ارخت كتفها وانزلت الحقيبة المثقلة بالذكريات و البوم الصور .
هذه صور حفلة تخرجنا من الكلية , طريق السفر البري من بغداد الى عمان طويلا جدا , كان ماطراً بدموع الفراق , يوم الرحيل عن الوطن كان داكناً , بلون قبعة شرطي الحدود في طريبيل .
-في نفسي سؤال يدور في خَلَد كل عاشق , اشتقتي لي؟! .
-كيف لا اشتاق لك , واحساس قدمي بطين جرف دجلة لا يفارقني , ولا صوت البلابل في البساتين .
صوت ضحكة خجولة مكتومة , تصدر من شفتيها المتوردتين , التي لم ينال منها الزمن .
-لاباس , نحن بها , سنعود لذلك المكان .
-لا ياعزيزي , الوضع اختلف جدا.
-كم طفل لديك الان ؟!.
-الكبرى مريم و الأصغر سامر , وانت ؟!.
-الأكبر محمد و الصغرى فاطمة .
الطريق من باب المعظم الى الباب الشرقي حيث وسط بغداد قصيرا جدا , انهى نظراتنا الظامئة بسرعة .
تقاسيم وجهها , قوامها , كان مفردة حاضرة بقوة في وجداني و هذيان امنياتي .
تمتمت بالصلاة وهي تتلمس صليبها الذي يختبى بين طيات ثيابها , وهي تمر من امام كنيسة الأرمن في ساحة الطيران , حيث تلت صلاتها الأخيرة قبل السفر .
الغداء في احد مطاعم شارع السعدون كان استراحة لخطواتنا المتعبة , وفرصة لبريق نظراتنا التي لبست ثوب العشق من جديد .
أسندت يدها على الطاولة حيث تتشابك الصحون في فوضى مقصودة , دفعتني ذكرياتنا القديمة لأمد يدي وامسك يدها المترفة بالحياة , الدافئة بالانوثة .
ما اقسى ان يولد الحب غريبا منبوذا حتى ممن يعيشون من حوله , ما تزال هذه الجملة ترن في ذهني , مالفائدة من هذا الحب ؟! الذي سينتهي بالفراق الابدي .
ابتسمت وهي تنظر في وجهي , واخذت تراقب الأرقام الالكترونية في ساعة الموبايل لتتاكد من الوقت .
-هل حان وقت الفراق اذاً؟!.
-نعم , يجب ان اودعك الان .
-هل تسميحن لي بتوصيلك ؟!.
-الفندق الذي اسكن فيه انا وزوجي و اطفالي قريبا جدا من هنا , لا داعي لان تتعب نفسك .
-هل ستعودين مرة أخرى ؟!.
-لا اعتقد هذا ابدا , اليوم انهيت كل شيء , ميراثي و ميراث اخوتي , وكل شيء يربطنا هنا , هناك حياتي و عملي و منزلي .
-والوطن ؟!.
-بربك هل عاد لنا فيه شيء غير الذكريات ؟!.
-لن تعودي مرة أخرى , الم الفراق سيسكنني الى الابد .
صافحتني للمرة الأخيرة , وكنظرة الوداع لميت وارت الحب القديم في الثرى .
بقيت جالسا في مكاني وانا اتابع خطواتها المغادرة , مذهولاً من صدمة الفراق

السابق
صِرَافَةٌ
التالي
هي هكذا…

اترك تعليقاً

*