القصة القصيرة

خط الأمل

تحت ظل صنوبرة كبيرة ،بأرض زراعية معطاء،وقريبا من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بعين الشق بالدار البيضاء ، و على صخرة متوسطة الحجم جلس عمر ،وبجانبه دراجته النارية التي شهدت معه الحلو والمر ردحا من عمره … يمسك بغصن يابس من تلك الشجرة ويخط خطوطا متنوعة على تراب الأرض ما ينفك يمسحها بطرف حذائه الرياضي ثم يعيد رسمها من جديد… يبدو أنه يفكر في أمر ما كعادته كلما تعرض لمشكلة من المشاكل العويصة…
أخرج من جيبه علبة السجائر ، نظر إليها ، فتحها ، رمق القنابل الموقوتة بداخلها ،امتعض ، تنهد ، تأفف …أعادها إلى جيبه… همهم في قرارة نفسه :
– يجب أن أقلع عن التدخين …لا بد أن أبعد عني هذه النبتة الخبيثة التي أخذت من وقتي وصحتي ومالي الشيء الكثير…

تذكر يوم كان يدرس بالثانوية ،خرج ذلك اليوم بدون فطور ، وأول شيء قام به هو تناول سيجارة محشوة بحشيش…ما كاد يصل إلى المؤسسة حتى خارت رجلاه..ولم يستطع المشيء..كانت الدنيا تدور به…استلقى على ظهره على عشب إحدى الفيلات القريبة من الثانوية …أخذ ينظر إلى السماء…بدت له قريبة جدا منه حتى ظن أن غيومها ستسقط على رأسه…أغمض عينيه ووضع فوقهما ذراعه..وما كاد يهدأ قليلا حتى انبعث نباح كلب كبير من داخل الفيلا..يضرب بقائمتيه الأماميتين على السياج الحديدي و لعابه يتقاطر من جانبي فكه السفلي..
لم يستطع عمر النهوض وإنما اكتفى بالصراخ في وجه الكلب بكل اللغات التي يعرفها طالبا منه الكف عن النباح…لم يصمت الكلب..ولم تمر سوى دقائق معدودة حتى وقفت سيارة من نوع r4 محملة بالخبز الباريسي …ترجل منها السائق ،تركها مشتغلة و ذهب لتوزيع الخبز على بعض تلك الفيلات و على الدكان الوحيد الموجود بذلك الحي…
تذكر عمر خطبة طارق بن زياد حينما خاطب جيشه بقوله :
-((أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر،واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام))
همهم عمر في قرارة نفسه :
– وأنت يا عمر ،أين المفر؟ صوت السيارة أمامك ونباح الكلب من ورائك،وليس لك والله إلا الصبر والنهوض أو البقاء والجنون…وكل هذا بسبب تلك النبتة الخبيثة اللعينة…
عاد السائق إلى سيارته …طلب منه عمر أن يعطيه رغيفا باريسيا …قضم منه قضمتين كبيرتين التهمهما بسرعة…وقف و حمل مجموعةكتبه ثم اتجه نحو المؤسسة و صداع يكاد يفجر رأسه..بينما ما زال نباح الكلب يتناهى إلى سمعه…

في الفصل الدراسي ،وفي حصة مادة الفلسفة ،أخذ الأستاذ يشرح درس لامادية الفيلسوف جورج باركلي ..و نظريته الجديدة في وعي الادراك الحسي للجوهر المادي …صفات الاشكال وأشكالها …كان عمر يحاول جاهدا المتابعة..وما كاد الأستاذ يصل إلى أن حقيقة الشيء هي في نظر باركلي ،إدراك العقل له, وما لا يدركه العقل عدم، وأن الشيء موجود وغير موجود في نفس الوقت ، حتى اختل توازن عمر ،وانفلت لسانه بالضحك والاستهزاء والاستغراب ،جمع أدواته وكتبه وخرج من القاعة وهو يردد :
– ما هذا الهراء …موجود وغير موجود…الأم موجودة كتمثل ذهني ولكنها غير موجودة في الواقع …أنا موجود كصورة ذهنية وغير موجود ككيان مادي واقعي…
ثم استطرد قائلا بصوت مرتفع :
– سجلوا :أنا غير موجود لا كصورة ذهنية ولا كواقع مادي…

ابتسم عمر هما حينما تذكر تلك اللحظات ولولا أن أستاذه علم بحالته لتم اتخاذ إجراء في حقه…انتبه إلى ما خطه من خطوط على الأرض ..ولا خط واحد منها كان مستقيما ،كلها دوائر وحلزونيات إن دلت عن شيء فإنما تدل على المتاهة أو الدوامة التي يعيشها في علاقاته مع كل من يحيط به وفي علاقته الحميمية بتلك النبتة اللعينة وتلك القطعة الخضراء المائلة للسواد والتي يوليها من اهتمامه أكثر مما يوليه لدراسته الثانوية والجامعية…
– السلام عليكم …
قالها حكيم وهو يترجل من دراجته النارية ويجلس قرب عمر الذي ما إن رآه حتى ازداد امتعاضا و قلقا..
– وعليكم السلام .
رد عمر بتثاقل شديد وكأنه لا يريده ولا يطيق بقاءه وتواجده معه ولا سيما في هذه اللحظة بالذات…لحظة التأمل وإعادة النظر في الحياة بقراراتها واختياراتها وعلاقاتها..وما كاد حكيم يستوي على صخرة أخرى حتى أخرج سيجارة من جيبه ومدها لعمر وهو يقول :
– رجاء ،أعد لنا لفافة من تلك القطعة الساحرة ..فرأسي بحاجة إليها ..و..
– لم أعد أدخن لا السجائر ولا تلك القطعة الساحرة..
قاطعه عمر وهو يدفع له يده التي تحمل السيجارة ذات اللون الأصفر..
– والله يهديك أعمر..هل أقلعت عن التدخين فقط هذه اللحظة…والبارحة سهرنا حتى بعد منتصف الليل…؟
– والله يهديك أنت …
مد حكيم السيجارة مرة أخرى لعمر وهو يستجديه أن يعد له ما طلب…وبعد أخذ ورد وبعد العديد من المحاولات ..قال عمر :
– حاضر أسي حكيم…تنقصني ورقة التلفيف ..فأنا لا أملكها …
– أسيدي سأحضرها لك الآن..
وبينما انطلق حكيم بسرعة لإحضار تلك الورقة ،أخذ عمر إحدى حبات براز الخروف المتناثرة هنا وهناك قريبا من تلك الشجرة …كانت شبيهة إلى حد ما بقطعة الحشيش التي يحتفظ بها داخل علبة السجائر مع الولاعة وبعض أوراق التلفيف..
عاد حكيم والابتسامة مرتسمة على محياه …ترجل من دراجته النارية … مد الورقة إلى عمر الذي وضع فيها التبغ و تلك الحبة البرازية و أعدها بشكل جيد كما اعتاد حكيم أن يراه يقوم بذلك منذ أكثر من سبع سنوات مرت على صداقتهما..ثم قدمها له مع الولاعة وهو يقول :
– تفضل أسي حكيم ! خذ نفسا عميقا بل أنفاسا متتالية ورد علي…
– هكذا أحبك أسي عمر …اضحك تضحك لك الدنيا ..وانس الهم ينساك…
قالها حكيم وهو يشعل تلك القنبلة الموقوتة ولكنها بنكهة الخروف هذه المرة…وما إن تناول نفسا عميقا حتى صاح قائلا :
– يا سلام ..نوع جيد لم أتناول مثله في يوم ما ..
ثم استطرد سائلا بعد تناول النفس الثاني :
– من أين اشتريت هذا النوع الرائع يا عمر؟
لم يجب عمر وإنما ظل حبيس المفاجأة والذهول وسجين التساؤل والاستغراب …هل فعلا لحبات براز الخروف هذا التأثير الشديد على دماغ المدخن وكل حواسه ؟ماذا كنا ندخن كل هذه السنوات التي مرت ؟ ألا يلجأ تجار المخدرات إلى هذه الحبات وخلطها مع نبتة الكيف وكل النباتات الأخرى كزهرة شقائق النعمان و كل الموبقات المتوفرة التي نعرف أوالتي نجهل وتزويد السوق بها ؟

نظر عمر إلى حكيم الذي بدا له منتشيا أيما انتشاء والدخان يتصاعد من أنفه وفمه كمضخة متنقلة …مد السيجارة إلى عمر الذي امتنع عن تسلمها وهو يقول :
– لا ، شكرا ، لقد دخنت اليوم ما فيه الكفاية …هي لك كلها ..
رد حكيم :
– الله يرضي عليك يا صديقي فأنا لم أدخن منذ البارحة…
ثم استطرد قائلا و هو يتناول نفسا آخر :
– أنا ادخن إذن أنا موجود…ومن لا يدخن فهو غير موجود…إلا أنت يا عمر فأنت دائما موجود..بالنهار وبالليل…سواء دخنت أم لم تدخن…
نظر إليه مرة أخرى وهو يبتسم ثم همس له قائلا بصوت لا يكاد يسمع :
– ربي كبير …وأنا اليوم أحس بأني ولدت من جديد …فعلا أنا موجود بما أنني لا أدخن ،ووجودي لا يشبه وجودك…
ثم همهم في قرارة نفسه :
– والفضل يرجع إليك بعد الله تعالى…

تذكر أستاذة اللغة الفرنسية في الثانوية حينما طرحت على طلابها هذا السؤال:
– لماذا يدخن المرء السيجارة ويتعاطى للمخدرات؟
وكانت أكثر الإجابات تأتي من عمر :
– أنا أدخن إذن أنا موجود….
– لاكتساب الثقة في النفس …
-للتواصل بسهولة مع الآخر ولا سيما الجنس اللطيف…
– للاحساس بالنشوة والانتشاء والتباهي والعلو…
– للتغلب على المشاكل …
– لتقليد الآخر…
– للسفر افتراضيا عبر العالم…عالم ليس كعالمنا …وفي دقائق معدودات…

ابتسم عمر وهو يخط خطا آخر يبدو أنه هذه المرة خط مستقيم …همهم في قرارة نفسه وكأنه يجيب عن تساؤل أستاذته السابقة ولكن إجابته هذه المرة تختلف كليا عن الإجابات الأخرى :
– أدخن لأني ناقص عقل وتربية وعناية واهتمام …أدخن لأني كنت مضغة سهلة لشياطين الإنس قبل الجن…أدخن لأني لم أجد الأسرة المتتبعة والرفقة الصالحة و الشارع النقي والمدرسة الحاضنة والمجتمع الراعي…

نهض حكيم بعدما أتم تدخين لفافته …ودع عمر وانطلق بدراجته النارية حيث الكلية بينما بقي عمر ينظر إلى الخط المستقيم الذي رسمه على تراب تلك الأرض المباركة وتحت تلك الصنوبرة العظيمة التي عاهد ووعد فيها نفسه على الإقلاع عن التدخين وإلى الأبد…أخرج من جيبه علبة السجائر ، أتلفها كلها كما نثر ما تبقى من تلك النبتة الخبيثة و أفرغ الولاعة من غازها…ركب طفطافته وانطلق إلى كليته و ابتسامة عريضة على شفتيه و صراط مستقيم كالأمل انبرى أمامه ، كما لاح في كبد السماء دخان أبيض متلاش تركته وراءها طائرة كبيرة وهي تتجه إلى وجهتها المقصودة…

إجازة في اللغة العربية وآدابها ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الدار البيضاء.
أستاذ

السابق
زمــــن الحــمـق
التالي
أغنية للشمس وأخرى للقمر

اترك تعليقاً

*