القصة القصيرة

خلف ظلال الستائر

حانت منه نظرة من خلف الكواليس الجانبية للقاعة، أبهره الحضور، المسرح كامل العدد، ليلة الإفتتاح المنتظرة، جهد شهور وأحلام سنوات، سرت في جسده رعشة حماسية اجتاحت مشاعره حتى صرخ في صمت، تأمل للحظات مسيرة حياته منذ وعى على حلم، تعثرات كثيرة وتحضير طويل وتجارب محدودة وإحباطات بعدد الشعيرات البيضاء التي تسللت إلى سنوات عمره الأربعين، لكن لا يهم، ارتبط حلمه بحلم أصدقاء عمره المخرج المسرحي المغمور والكاتب الذي لم ينل شهرة يستحقها بعد، ووضعوه على مائدة الإصرار حتى وجدوا ممولا أكثر جنونا وإيمانا أوصلهم إلى أكبر مسارح المدينة وبدعاية كبرى جمعت كل الهواة والمحترفين في بوتقة واحدة حتى ليلة الإفتتاح المرتقبة، كل شيء في الحياة بالنسبة لهم يبدأ أو ينتهي الليلة.
أخذ نفسا عميقا استرد به عقله من خياله على وقع ربتات متحمسة على كتفه يعرفها جيدا، تحدث والدموع في عينيه:
– يبدو أن الحلم سيصبح حقيقة يا شعراوي، من يصدق أننا هنا اليوم يا صديقي.
– فعلا يا فؤاد، من يصدق أننا تجاوزنا المستحيل لنصل إلى هذه اللحظة، كل شيء عند مستوى أيدينا.
– هيا بنا، نحن في بداية الليلة، على أول طريق الحلم، أنا وأنت تحت رحمة التفاصيل الصغيرة، لقد تعبت معهم كثيرا جدا حتى وصلت إلى ما أريد كبطل للعرض، كما تعبت أنت في الإخراج ورضوان في التأليف ثم في تعديلات النص التي لا تنتهي، سأضع اللمسات الأخيرة على ملابسي ومكياجي، بقي على رفع الستار نصف ساعة، قلبي يكاد يتوقف من الخوف والترقب.
– إهدأ قليلا يا صديقي، نحن لم ننم تقريبا منذ يومين، وأنت أكثر من سيبذل مجهودا الليلة، إذهب إلى غرفتك وأغمض عينيك عشرة دقائق لتلتقط أنفاسك.
فُتح الستار أخيرا. كان فؤاد في صدر المشهد جالسا على مقعد متهالك وحيد في جانب خشبة المسرح، ينفث دخانا من فمه، يرتدي ملابس قديمة، نال تحية محدودة رغم أن صور الدعاية تشير إلى أنه البطل، لم يهتم لذلك فهو يعلم أنها بطولته المطلقة الأولى وأن معظم الجمهور قد حضر لرؤية ممثل الأدوار الكوميدية الثانية الشهير، أغمض عينيه وأخذ نفسا عميقا، ثم قفز بملامح جادة جدا فتعثر دون قصد، وضع رضوان يده على قلبه، كاد قلب شعرواي أن يتوقف، لكن الجمهور ضحك بشدة، خف الضغط على فؤاد. ابتسم، حلق في سماء أحلامه، ترك نفسه، بدأ يستمتع، سيطر على خشبة المسرح وعلى عقل وقلب كل مشاهد خلال خمسة دقائق. ضجت جنبات القاعة الكبرى بالضحك المتواصل طوال المشهد الأول الذي استمر ثلث ساعة بدل خمسة دقائق، خرج فؤاد أخيرا والجميع يستعد لاستقباله بعد أن دوت القاعة بالتصفيق بعد الإفيه الصولو الأخير..
انهار على كتف شعراوي يبكي بمرارة، تجمعوا حوله يواسونه في ذهول، تركهم وركض ناحية غرفته يكفكف دموعه ليستعد للمشهد التالي.
دخل المسرح هذه المرة أكثر ثقة وسيطرة على الشخصية، ما أن أطل برأسه حتى ضحك الجمهور وقابلوه بعاصفة من التصفيق، خطا فوق السحاب، استعاد صولاته وجولاته في مسرحيات الشارع التي طالما مثَّلها مع أصدقاءه وأسرته وجيرانه، بكى حين تذكر رفضه المتكرر من المعاهد الفنية، ضحك الجمهور لبكائه الكوميدي، وضع يده على كتفِ رأْي بعض من آمنوا بموهبته وطلبوا منه الاستمرار، ثم نكز بقوة من نعته بالفاشل حتى أقرب الناس إليه. تألم الممثل الذي أمامه من قوة النكزة فدفعه برفق ليسقط على رأسه، كم سقط على رأسه من ضربات الحياة المتتالية والأمواج الكاسحة التي كانت تعيده آلاف السنوات كل خطوة على الطريق، تألم بشدة، وما هو الألم؟ إحساس سلبي يهاحم الفشلة والمحبطين. تحامل على ألمه ووقف، الليلة ليلته، نظر لذلك الناكز شذرا ثم تصنع ضربه بعنف، من مفاجأته سقط هو الآخر، مشى منتشيا على المسرح، هذه ساحتى الجديدة، هذه أرض انتصاري العظيم، ماهو التاريخ؟ ملخص التاريخ أيام انتصارات القادة والأنبياء، لكل أمة تواريخ محدودة، وتاريخ أمتي يبدأ من اليوم، أنا المظفر فؤاد، أنا فؤاد قلب الأسد، أنا فؤاد الأكبر، سخرت لي القلوب والشفاه، تضحك بحركة مني، تبكي بنظرة مني، أنا النبي الخاتم في عالم المشاعر.
أنهى مشهدا تلو الآخر والجمهور عبيد لكلماته، سحر قلوب الناس حتى انتظروا حضوره بدون صبر.
انتهى الفصل الأول، راحة ربع الساعة، الجمهور في حالة ذهول، أين كان؟ من هو؟ من أين أتى؟ كيف اختفى طوال هذه السنوات عن القلوب.
لحقه شعراوي ورضوان غير مصدقين، من أنت؟ أين كانت تلك الطاقات مختفية عنا؟ كيف لم نراها بهذا التوهج واللمعان من قبل؟ نعم كنت متميزا، لكنك لم تكن متفردا.
عاد إلى المسرح طائرا بأجنحة الأمل، تألق من جديد، طغى على من حوله حتى أصبحوا أقزاما، رقص بأقدام رقيقة وارتدى ريشة مايكل أنجلو فرسم لوحة عبقرية في سقف المسرح حتى تعلقت العيون بها طوال الوقت. صدح بأبيات عنترة ورقص بأقدام نجوم البولشوي، تحدى نفسه كما تحدى أبو فراس أبو الطيب، حصل على أوسكار أعظم فنان في التاريخ من عيون الضاحكين. صال وجال في ملعبه كما فعل بيليه وميسي، تأنق في رداء الإبداع فدخل موسوعة جينيس وكتاب ابن المقفع والسيرة الهلالية.
تنقل بين مشهد سحرة فرعون وتسخير الجن في قصر سليمان، امتطى حصانا بريا في سفينة نوح وشاهد الطوفان يغير التاريخ القديم، عزف منفردا كما فعل بيتهوفن وقد انفصل عن العالم فبهر الجميع.
انتهى الفصل الثاني، دخل غرفته محلقا في بلاد العجائب يتأبط ذراع أليس الأسطورية، دخل خلفه رضوان وشعراوي وهما في قمة الإنبهار والسعادة، ربت شعراوي على كتفه منتشيا:
– لقد عبرنا يا صديقي، الجميع منبهر، الصدمة زلزلت أرجاء المسرح ونبضات القلوب، النقاد والصحفيون أصيبوا بدائك المباشر، ستتصدر الصفحات الأدبية والفنية غدا، حقيقة، لم أكن أصدق أنك ستكون بهذه العظمة والتألق.
كانت أنفاسه تتلاحق غير قادر على السيطرة على انفعالاته، انهار في بكاء شديد، ضحك بجنون، استند على رضوان وهو يصرخ:
– أضواء النجوم تصل إلى الأرض بعد رحلة طويلة متعبة خيالية، لقد وصلت اليوم يا أصدقائي، على مشارف النور، كل شيئ يهون من أجل هذه اللحظة.
لم تحمله قدماه، كان يحارب الإرهاق باستماتة، جلس على المقعد منهكا، قلق رضوان عليه:
– إنك مرهق تماما يا فؤاد، لم تنم منذ يومين ولم تأكل منذ الصباح ولك أكثر من ثلاث ساعات تصول وتجول على المسرح، الفصل القادم لن تغادر المسرح مطلقا، كيف ستواصل؟
نظر له فؤاد بعين تكابر وقلب غير قادر على المواصلة، ابتسم:
– غدا النوم سيطول، والطعام موجود طوال الوقت، سأغمض عيني قليلا كعادتي، اتركوني عشر دقائق وسأعود إلى ساحتي، الليلة ليلتي يا أصدقائي، سأضحي بعمري كله لتكتمل كما بدأت، روحي معلقة في أرجاء المسرح، ولن تتركه أبدا.
اكتمل بناء الديكورات الجديدة، لم يظهر فؤاد، تأخر على فتح الستار الأخير، ذهب شعرواي ليستعجله، وجد غرفته مغلقة من الداخل، أخذ يضرب على الباب بجنون، بعد لحظات سمع المسرح يهتز بتصفيق متواصل، أدرك أن فؤاد قد ظهر، تعجب بشدة، لكنه عاد مسرعا ليتابع العرض، وصل إلى الكواليس، إنه هو !!.
بدأ المشهد الأول بحركات من المفترض أنها صعبة، قفزات وانطلاقات من خلال حواجز وهمية، لكن فؤاد أداها بمهارة تعجب لها شعراوي ورضوان ومدرب اللياقة.
كانت قمة الدراما في الفصل الثالث حين يطير فؤاد في الهواء بمساعدة حبال خفية ثم يضربه أحد الممثلين بقنبلة كبيرة فتنفجر عن بعض الألعاب النارية الآمنة ثم يسقط على الأرض وتخرج روحه لتستكمل بقية المسرحية محافظة على الجو الكوميدي العام، ذهل شعراوي وبقية طاقم العمل، فؤاد يطير بدون مساعدة! هل من المعقول أن يكون تجليه العبقري قد ساعده على فعل معجزة جديدة.! استمر المشهد وهو محلق بالمعنى الحرفي للكلمة في سماء المسرح. حدث الإنفجار، سقط الجسد دون صوت على خشبة المسرح، تستمر ذهول شعرواي، كان قد توقف ومساعدوه عن عمل أي شيء، تحول الذهول إلى رعب حين رأوا روح فؤاد تخرج من جسده، والجمهور يضحك معجبا بهذه الخدع العبقرية، كان المشهد خارج المنطق، وأي منطق في هذه الليلة المجنونة، جسد فؤاد مسجي على طبقة رفيعة جدا في دور ثاني كرتوني للديكور، خرج جسم شبحي من الجسد يحمل صورة فؤاد ولكن بدون تجسيم.
ظن الجمهور أنها استكمال للخدع المسرحية الكثيرة في الفصل الثالث، وبدأت همهمات الإشادة بالمخرج العبقري والكاتب المبدع الذي تصور وحقق المستحيل.
أسرع شعراوي ورضوان إلى غرفة فؤاد، طرقوا بجنون على الباب المغلق بإحكام، لم تفلح كل محاولاتهم لكسره رغم استعانتهم بعمال المسرح.
عادوا على وقع التصفيق المتواصل، اشتكى كل الممثلين من عدم قدرتهم على مجاراة فؤاد في حركته وسرعته، بقي مشهد أخير، طلب منهم شعراوي التحمل فقد اقترب بذوغ فجرهم جميعا.
كان المشهد الأخير يعبر عن سيطرة فؤاد المطلقة على كل شيء، أغلبه حديث ذاتي وحوار مع أرواح أخرى من المفترض أن يجسدها بعض الممثلين.
جلس فؤاد في طرف المسرح، حدث نفسه في مرآة افتراضية:
– الصمت لغة العارفين، التأمل طريق العالمين، على النظر غطاء من نار يحجب النور، وفي القلب قدرات من أبعاد موازية، من أراد يستطيع، ومن حلم يمكن أن يحقق، الحياة باب وباب، لا تبحث أيها المدعي عني، قد كنت.. وما كان سيكون، الماضي لن يعود، سيغلق الباب بعد الإذن، وكل شيء بإذن، لا سبيل للعودة، ولا تحاول الفهم.
نظر رضوان لشعراوي، لا يوجد هذا الحوار في النص؟ ارتجل فؤاد كثيرا من المواقف، لكنه لم يبدل في النص من قبل.
لم ينتهي كل شيء، ارتج المسرح ضحكا حين شاهدوا كائنات بيضاء تطارد كائنات سوداء، انطفأت الأنوار، لمع الأبطال، توقفت جميعا حوله، تنازعته، تارة يمينا وتارة يسارا، والجمهور يضحك، والكواليس تبكي في رعب، انتزعوا يدا يسرى، ثم انتزعوا يدا يمنى، نظروا إلى القلب النابض تحت الجسد الشفاف، مدوا أيديهم نحوه، الأبيض والأسود يتنازعان فؤاد المستسلم.
انقضوا عليه فتلاشوا جميعا.
انقطعت الأنفاس، عادت الأضواء، تعب الجمهور من الضحك، أسرع المخرج والمؤلف ناحية غرفة البطل، وجدا الباب مفتوحا، دخلوا… كان فؤاد جالسا على مقعده أمام مرآة النجوم، ورأسه على المنضدة، جسوا نبضه، جسد بارد بلا نبض.

السابق
التلفاز
التالي
موسم يتألم

اترك تعليقاً

*