القصة القصيرة

خواطر اقحوانة !

اجتمعت الورود المختلفة في توليفة عجيبة بذات الحديقة!.
كانت كلها مشرقة الجمال بصمت وكبرياء ….
تتأملها اقحوانة صغيرة نبتت عند السور الحجري بين احجاره المبعثرة كما لوكانت متطفلة على اهل البيت وليست أحد أهله وأفراده!!

هاهي الوردة الجورية ابنة الرخاء والنعيم محاطة منذ كانت برعماً بالاشواك تحميها من المتطفلين والأوراق الخضراء تظللها من أشعة الشمس الحارقة.
وبالقرب منها زنبقة فاتنة تجاريها في الحسن والدلال ولكنها تمتاز عنها بالجرأة والقوة فهاهي ترتفع وترتفع عالياً في السماء بشموخ وكبرياء متحدية الريح وأيدي الطامعين ناشرة أريجها الأخاذ في الهواء.

كان مصير كلا الزهرتين متشابهاً فكلاهماً عرفته قصائد الشعراء وكلاهما يثمنان بأغلى الأثمان ليزينا منازل الأثرياء أو يتم جمع زهورهما في باقات تقدم كهدايا يتبادلها الأحباب والعشاق.

وفي الجهة المقابلة شجيرة الغاردينيا و الفل،تنثان أجمل الروائح وأكثرها إنعاشاً و تزهوان ببتلاتهما الناصعة البياض دليل الطهر والقوة،إلا أن كل ذلك لم يجلب لهما يوماً ما يستحقان من الحظ فعمرهما قصير و هما ابنتا البيوت الفقيرة وسكان أصص التنك الصدئة ،والغاردينيا بالذات هي زهرة شديدة الحساسية و معروف عنها انها تذبل وتذوي سريعاً عند اقتراب احد منها وشمها.

وهناك في الجهة الغربية من الحديقة توجد زهرة القرطاسية البديعة الشكل والمبهجة الألوان لكنه جمال بري وليس لها عبير لذلك لايعني احد أن يقتطفها بل تترك لتزين البيوت من الخارج.

وعند السور تتعربش شجيرة ياسمين وعراتلية ونفنافة…كلها ذات أزهار رائعة الجمال والرائحة ولكنها شديدة الارتباط بشجرتها الأم ويصعب عليها فراقها..فإذا ما امتدت اليها يد تقتطفها فإنها تتفتت وتتلاشى سريعاً وهكذا يصعب على الدوام الفصل بين هذه الأزهار وأمها الشجرة و جدتها الأرض.

تلفتت الأقحوانة هنا وهناك بحثاً عن المزيد من الأزهار فوجدت شجيرة زهرة الصباح (المدادة )تلتف حول فروع شجرة الياسمين… لم يكن لأزهارها رائحة رغم جمالها كما كانت مزاجية في تفتحها فهي تكره الشمس والظلام ولاتعشق إلا الصباح فتفرد له بتلاتها منتشية بضوئه النقي وبرودته المنعشة..هو كان حبيبها الوحيد الذي تحتفظ له وحده بجمالها ونضارتها وما كان ليلتفت اليها احد اي أحد من المارين بقية النهار.

تنهدت زهرة الأقحوان وهي تفكر بنفسها،هي زهرة برية تعشق الحرية ،تنبثق من رحم أمها الأرض في باكورة الربيع ولا يسعها الابتعاد كثيراً عنها مهما حاولت.
تساءلت عن دورها في الحياة وأهميتها ، فأحست بالحزن والأسى عندما لم تجد جواباً..إذ من يرغب باقتناء زهرة برية ضئيلة الحجم ولايكاد عبيرها الضعيف يجذب إليها حتى النحلات؟

لكن التفكير لم يطل بالاقحوانة اذ سرعان ما أحست بيد طفلة صغيرة تمتد اليها لتقطفها وتجمعها في سلتها القش وتعود بها إلى المنزل،وهناك قامت الوالدة بوضع معظم الزهرات لتجف تحت اشعة الشمس فيما جمعت البعض منها و صنعت اكليلاً جميلاً زينت به رأس الطفلة الحلوة التي كانت تستعد لتكون أميرة الربيع في مهرجان القرية السنوي.
وكم كان زهو الاقحوانة كبيراً حينما مر موكب الكرنفال وأخذت تنهال على اميرة الربيع شتى أنواع الورود من كل اتجاه.

السابق
ماورائيات
التالي
كلمـة الشيطـان

اترك تعليقاً

*