القصة القصيرة

خوروس – بوروس

ينتشي بالنسر ينهش كبده ، إلى آخر مضغة ، يتلمظ روائح دمه تفوح منه فائرة ،يحلق الإلهي في فراغ الفراغ يعانق خواء الخواء !!
يتجدد كبد ه ، يستمر ألمه /عذابه ، يحيا من جديد ، يلملم نفسه ،يدحرج أوجاعه أمامه ،يحمل ذاته بذاته ، يهيم على وجهه من( القوقاز )إلى أرض الله الواسعة !!
، ذات زمان عاصف !
ذات راعدة مبرقة :
تلفظه السماء ، في إعصار من كويرات البرد الكبيرة في حينا !
يخلخل رتابة زقاقنا الضيق : نشرئب بأعناقنا من النوافد والأبواب ، تخترق جسد الرجل مئات العيون القلقة، الجاحظة عبر الشقوق والثقوب ، نلتهمه حد تجريده من أسماله الرثة !
يروي لنا عنه كبارنا :
-هو خورس / بوروس / قطاع الروس ذاك :
القادم من عمق الألم ووجع العقاب الجماعي ، وصداع الرأس !
يتأجج تعطشنا لمعرفته أكثر !
على رؤوس الأصابع ،نمارس رقصة البالي ، نلتصق بالجدار ، نكاد نسد الشقوق ، نقترب منه بحذر شديد :
_ هو ذا خوروس بلحمه وشحمه !
_ هو ذا بوروس بعمامته اللولبية!
_هوذا قطاع الروس : سيفه بلا مقبض ولا نصل ،في يده شعلة نار !
كم رأسا قطع ، هذا القطاع ؟
هم يكذبون ونحن نصدق !
هم كبارنا ونحن صغارهم !
هم كبار عملاء زيوس !
لسان الكبش يسبب البكم !مخه يسبب الخبل والهبل! هذه خدعهم تحرمنا من أجمل ما في كبش العيد !
* خوروووووس!
* بورووووووس!
* قطاع الروس !
قريض مخبول : سينية خرقاء، رعناء، بلهاء !
تهمة تلصق بالرجل ، هو بعيد عنها بعد يوسف عن مفاتن امرأة العزيز، بعد (ضم الباء ) القط عن اللحم المعلق !
هم يطبخون ونحن نأكل !
س-ؤ -ا-ل :صفعة بيد مفلطحة غليظة ،تضيء النجوم في رأسك في عز النهار ، تلزمك صمت الصمت ، تزج بمخك المخبول في تجويفه ، ويتحجر السؤال على شفتيك !!
يتمطط غريب الحي كالأفعى ، نسمع طرطقة عظامه وضلوعه تتكسر ! ،يسند ظهره إلى الحائط، يهوي بجسده تتلقفه الأرض، يقعى كالكلب !
يعدل عش اللقلاق فوق مؤخرة جمجمته، تلوح لنا ثلاثية الأبعاد !
عصاه براقة ملساء ، بدون نتوءات يلقبها (بوصالح) :
تصلح ظهر كل شارد عن الصواب ، نخالها عصا موسى، حية في حينا تسعى ، تلتهم عكاكيز كل شيوخنا !
غير بعيد منه ، نحترم مسافة الإقلاع وركوب الريح ، يحسن تسديدة العصا ،تلتوي على القدمين ، تقيد الحركة ، ندرك ذلك حق الادراك !
نحنحة، همهمة ، حمحمة ،نهنهة ، زفرة عميقة ، تصدر عنه أصوات كثيرة غريبة ولا نميز صوتا منها ، نحسبه يعب الماء !
يشعل سيجارة ،يمص الدخان عميقا ، يلتصق جلد وجهه بأضراسه النخرة ، يحرره بتلذذ ، يلفظه من ثقبين في وجهه آهلين بذبابة خضراء كبيرة ، تصول وتجول في ربوع خيشومه !
أصابعنا على الزناد، تحسبا لأي طارئ أو أية حركة تصدر عنه !
(لا ثقة في عتيقة ) أسطوانة معطلة، تلوكها أمهاتنا يوميا ؟
*خوروس !
*بوروس !
*قطاع الروس !
،قطار سريع ،بدون مكابح ، بدون ربان :
من يدوسه يشد بالضباب، يقبض على السراب !
يكذبون فنحمل كذبهم محمل الجد !
هم لا يناقشون ، لا يناقشون ، ولا يتناقشون ،فهم الكبار !
يغفو خوروس /بوروس ،مقرفصا ،يضغط على صدغيه بركبتيه ،ينتشي بلذة غيبوبة مؤقتة ،نشعر بحبل الأمان يشدنا إليه :
-أنفه كبير ، معقوف، يذكرنا بمنخر سيرانو الضخم ، جبهة كبش نطاح ، وجهه حليق ، خال من التجاعيد !
أمره غريب خوروس بلباس أفغاني ، بوروس بعمامة لولبية كبيرة ! قطاع الروس ،بلا سيف ولا حصان :فقط شعلة نار على رأس عصا ملساء ، بدون نتوءات !
يشبه كبارنا في تدخين السيجارة الشقراء ، وعب المشروبات الروحية ، القادمة من وراء بحر الظلمات، من بلاد العم توم !
فجأة تصيبه نوبة صراخ هستيرية تنتشله من غفوته ،مرعوبا ، يلوح بعصاه هنا ،هناك، تحت ، فوق ، يمين ، شمال ،يضرب على الخواء !
يرقص فوق صفحة الماء ، يشتم ، يتوعد ، يتف، يتأفف ،ويصرخ :
– كرونس يلتهم أطفاله الخمسة : منه تضخمت عقدة الكراسي !
_آدم يقضم التفاحة المحرمة :
_قابيل (لأقتلنك ) يقتل هابيل !
_هابيل (انما يتقبل الله من المتقين ) فيقتل : اللعنة ، لعنة اللعنة !
يحتدم الماء في المتانة المتعفنة كحمم ،يحررها رعب رهيب ، تنفلت و تستقر في قاع المداس !
– خطوة، خطوتين ، ثلاث خطوات ،نقلع كطائر النغاف ، نركب الريح ،نحلق : تختلط طقطقة الأحذية البلاستيكية الصغيرة بتكتكة الأقدام الحافية ترتطم بالإسفلت المسبوك ،بصوت واحد :
– وا٠٠ خوروس ٠٠٠وا٠٠٠٠٠الملعون !
-وا٠٠ ٠٠بوروس٠٠٠٠وا٠٠٠٠المغبون !
-وا ٠٠ قطاع الروس ٠٠وا٠٠٠المجنون !
تمتصنا متاهات الأزقة الضيقة ،ولعنة الكبار تنزل علينا غيثا مدرارا !
أسئلة تدغدغنا : أدمغتنا صغيرة لاتربو عن بيضة دجاجة !
-من يحارب خوروس / بوروس ،عندما تأتيه هذه النوبة المفاجئة ؟!
جواب إمام المسجد العتيق ضبابي ، غير مقنع :
-خوروس / بوروس !
قادم من وراء الضباب !
يمتطي صهوة السراب !
يحارب القمع والفساد !
قطاع الروس !
هو ليس قطاع رؤوس ! غربته بيننا ، وخوفنا من شعلة ناره ألصقا به هذه التهمة : قطع الرؤوس !
خوروس عدو قوى الظلام ، مفجر الابداع في جدار ذاكرة البشر
بوروس أضافته، سليقة عربية ، تعشق القافية السينية الهامسة !
قطاع الروس نستعين بها على تخويف اطفالنا لتربيتهم على الخوف والخنوع واحترام الكبار، وموسقة سين القصيدة !
يرجح أن خوروس هو بروميثيوس ، ينشر المعرفة ويتحدى زايوس !
انبرى أحد سكان زقاقنا وصاح بانفعال شديد :
– هذا هذيان ، يا كبير ، كلامك هو الكبير !
خوروس / بوروس شاب مخبول ، يشتغل في صنع الأسرة ، من ضواحي مدينتنا ،أبوه وإخوانه أحياء يرزقون ! أنا أحق حتى عدد دجاجاتهم في خمها !
يخوض حربه ضد ليليث ملكة أشجار الدفلى ، عدوة الرجال !
تخطفه من بين أبنائه تريد أن تلحق به الأذى !
-تمتص منه لذتها ، وترضي شبقيتها الأيروتيكية وتتبول وتتبرز على جسده، تمل منه تبقر بطنه ، ترمي جثته على ضفاف وادي الدفلى : انتقام أبدي من الرجال !
خوروس / بوروس يحارب الخواء ، يقارع الهواء ! يصارع النسور تنهش كبده !يقاتل ليليث العفريتة الشريرة ! لكنه لا يقطع رأسا غير رأس الفراغ ، ينشر الإبداع :
تسقط البقرة ،تشحذ السكاكين !
خوروس / بوروس تمتصه الجاذبية ، يتهاوى ، يغيب في سابع نومة / موتة ، ستنتشله منها كركرة المنقار العاجي للقلاق في عشه أعلي مئدنة المسجد العتيق ينتشي بتكبيرات متهدجة فيها بحة : المؤدن فيه آثار النعاس !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
الوطنُ الجديد
التالي
الأدب والنفاق الاجتماعي

اترك تعليقاً

*