القصة القصيرة جدا

خيانة

رنّ الهاتف فكسّر الصّمت المخيّم على المكتب، اعتدل في جلسته بخفّة وحمل السمّاعة بعصبية بالغة، داعبت أصابعه المرتعشة قلم رصاص يكتب به ما يمليه عليه الطرف الآخر من الخطّ والتوثّر باد عليه، قبل أن ينهي الحديث كأنّما يهرب من مخاطبه بحاضر يا دكتور.
عاد الصمت ليخيّم على الغرفة من جديد، ووحدها نقراته بالقلم فوق سطح المكتب الزجاجي ظلت تملأ الفضاء الهادئ. وكمن تذكّر شيئا، فتح درج المكتب وأخرج صورة لسيّدة في عقدها الثالت أو أكثر بقليل وقد أضفت ابتسامة على وجهها لمسة فنية، تحمل بين ذراعيها طفلة انسدل الشّعر على نصف وجهها، فبدت بلباسها الأبيض كملاك صغير.. أمعن النظر في الصورة طويلا، مرّر أصابعه فوقها مرات متكررة، ثم توقّف وقد غطى وجه السيّدة وظل يحملق في الفتاة لمدة أطول..
نقر خفيف على باب المكتب أعاده من شروده. قام إلى الباب فسبقته إلى حضنه الطفلة في الصورة، رسم على وجهه ابتسامة حزينة وحملها إليه دون أن ينظر إلى وجهها، دسّها في حضنه وعبث برفق في شعرها .. وتمتم في أذنها بكلمات مبهمة.
في العيادة تهالك فوق الكرسي، أخرج الدكتور كومة من الأوراق ووضعها أمامه بشكل منظّم،بدا محرجا وهو يخبره أن التحاليل الأخيرة أيضا أثبتت بما لا يقبل الشك أنه عقيم ولا يمكن أن تكون له خلفة.. نهض من مكانه وقبض على كومة الأوراق وتوجّه صوب سلّة المهملات ثم رمى بها دون أن ينظر إلى حيث تقع.. استبق الباب، وقبل المغادرة التفت إلى الطبيب وابتسامة عريضة في فمه وقال بصوت حادّ:
تبّا لجميع علوم الأرض! إنها ابنتي.

السابق
مصيدة
التالي
أهطلٌ

اترك تعليقاً

*