القصة القصيرة

خيانة

و أنا أتصفّح مذكّراتي –كعادتي منذ أحلت على شرف المهنة – لأستقبل يوما جديدا وأملا في غد مشرق انبعثت من بين الصفحات رائحة الرطوبة .رائحة توحي بأنّ ما دوّن في هذه المذكّرة لن يكون شبيها بما دوّن في غيرها من المذكّرات . عدّلت نظّاراتي بحركة متثاقلة ومن جلستي بشيء من الحرص على الاستقامة ، انغمست بين الاسطر .
مذكّراتي – على ما فيها – كانت خير أنيس ، كما كانت أكثر منّي معرفة بانّي لن أنخرط في متاهات اليوميي أو وعي الجماعة لذلك تفتح لي أحضانها ومنفذا للهرب من جحيم الآخرين. تاهت ذاكرتي بين الصفحات المنسيّة…ثمّ ما لبثت أن توقفت عند ما دوّن تقرؤه من جديد… الساحات مكتظة حتى أنّها لم تعد قادرة على استيعاب مرتديها . تضيق بشباب يدفعه الحماس الثوريّ والرغبة في التغيير وبشعارات متداخلة متجانسة على اختلافها متماهيّة على تنوّعها ، لا معنى لها إلا “ديقاج…ديقاج…شغل حرية كرامة وطنية…الشغل استحقاق يا عصابة السرّاق …” غير بعيد عن هذه الشعارات وعنّي مجموعة من الأطفال يرفعون لافتات وعلامات النصر وجهتهم في ما يبدو – مثلي – ساحة ” الاتحاد الجهويّ ” . انتابني شعور غريب قلّ أن عشته من قبل رغم حرصي الشّديد على مواكبة كل التحرّكات والتنقّل بين جلّ الساحات رغم الارهاق ورائحة العرق الكريهة المنبعثة من جسدي كما تنبعث روائح شواء لحم عفن .
اجتنبت الاختلاط بهؤلاء الأطفال – والى اليوم لا أعرف السبب – بشيء من الحكمة الممزوجة بالخجل والخوف . فتسلّلت كالمرتاب في أمري إلى الوراء…حملقت فيهم… أنصتّ كالأصم إلى شعاراتهم … أشعلت سيجارة …أخذت نفسا عميقا ونفثته عاليا . تابعت عينيا الدخان المنبعث منها وقد حملته النسمات الثورية التى تسرّبت بين الأجساد المتلاحمة بعضها ببعض وجهة مجموعة خرى من المحتجين…أحسست بخجل و بحالة تعرّق شديد كادت تغرق جسدي المنهك المحترق…أسعفتني عبقريّتي وما تبقى لديّ من وعي انسانيّ بالانضمام إلى المجموعة والوقوف على تفاصيل مطالب الغاضبين…كنت أقرأ على اللافتات المرفوعة التي كتب بعضها بخطّ عربي على محمل قماشيّ والبعض الآخر بخطّ لا يكاد يقرأ على ورق كرتوني شعارات تعرّي معاناة الشعب دون أن يحجب عنها ذلك البعد السياسيّ …هي ليست مطالب اصلاح…سقفها لأعلى من ذلك بكثير … هي دعوة للتغيير الجذريّ…ازددت اقترابا من المجموعة التي التحقت بدورها بباقي المتواجدين بساحة الاتحاد…استقبلتني الشعارات الوردية والأغاني الثورية والرّايات الخفّاقة بحسّ وطني ينبعث من حناجر المتظاهرين من شيب وشباب ونسوة وأطفال…وجوه نيّرة بشوشة رغم الارهاق وعصف الألم ولفح اللظى … تأمّلتهم وأعناقهم تعانق السحاب ونظراتهم ترسم طريقا أفقيا ممتدا لا رجعة فيه…
شعرت من جديد بسخافتي ، وعاودتني حالة التعرّق … وبدا لي أنّ المتجمّعين يلاحقونني بنظراتهم…”لعلهم ارتابوا في أمرك…فلا لباسك يشبه ملابسهم…ولا أنت قادر على ابتكار شعار واحد مثلما ابتكروا…لم هذا التسرّع…؟ ألم يكن بإمكانك الالتحاق بمن خبرتهم وخبروك…؟ أمن السهل إن ينساك رفاقك…؟ رفاق الأمس ، أمل الغد…” . غاب عنّي أن الزمن تغير ، وأنّ السنّ تقدم ، وانّ المرحلة الآن مرحلة فرز على رأي احدهم…أجلت نظري في القوافل البشريّة التي مافتئ عددها يتكاثر…عيون تتقد حماسا ، وخطوات ثابتات تزلزل الارض ، وهامات شامخات كالنخل …الأصوات لا تفتر ، والحركة لا تهدأ رغم الطوق الذي ضرب حول الساحة ، فبدت أشدّ ممّا يحتمل المكان وفي نسق تصاعديّ متوتر لا طاقة لي به…نأيت بجسدي عن الزحام . بحثت لي عن موطئ قدم يساعدني على التنفّس. تابعتني بعض العيون بنظرات فيها الكثير من الاستغراب واللوم”أتنسحب والمسيرة انطلقت؟” تردّد صدى لومهم وأسئلتهم بداخلي وبرأسي حدّ شعوري بآلام حادة وبدوران…ألقيت برأسي بين راحتيّ وضغطت …ضغطت وأنا أدور حول نفسي…لم ينقذني مما اصابني إلا صوتا بدا مألوفا لديّ وان لم أتعرّف على صاحبه…صوت أكثر من مألوف…صوت رخيم شجيّ قويّ لا يمكن للأذن أن تنساه أو تتجاهله . ولكنّي في خضم تلك الحركة بالساحة والضوضاء تجاهلته .واصلت تراجعي ولكنّ الصوت ارتفع مناديا باسمي…توقّفت، وألقيت ببصري صوب الصوت .أخذني شيء من الذهول والدهشة…طالعني وجه نحيف أسمر تعلوه مسحة ثورجيّة ، هي مزيج من الصرامة والاعتداد بالنفس والانضباط الخطي…انّه وجه ” غريب ” . سنوات مضت على آخر لقاء بيننا كانت كفيلة بجعلنا نتبادل التحيّة بشيء من البرود . ، وحافزا ل”غريب ” للتعجيل بتوديعي و متابعة طريقه .
اشتدّت الآلام برأسي . وشعرت كأن خلية نحل تسكنه . كثر الطّنين بأذنيّ …وأرهقت ذاكرتي لتسعفني بصورة غريب وقد كان يقف بساحة الكليّة ويخطب في حشود الطلبة خطاباته الحماسيّة التي كثيرا ما كان يوشّيها بمقولات فلاسفة المادية الجدليّة ومنظّريها ويختمها باستعراض أشعار محمود درويش ومظفّر نواب وبعض البكاء الذي لم أفهم إلى اليوم سرّه …لعلّه حجّته إن رام خروج مسيرة من الكلّية أو اضرابا عن الدروس…وممّا أهّله لقيادة جموع الطّلبة ما بدا عليه من نضج نقابيّ وعداء لمن اتخذوا الدين مطيّة للعمل السيّاسي . شقّ له طريقا بين الطلبة ينحت له مسيرة نضاليّة…سنوات قليلة مرّت على آخر لقاء لي به كانت كفيلة بجعل “غريب ” اليساريّ ، الثوري ، الوطنيّ الديمقراطيّ الذي لا يشق له غبار في فهم الواقع وتحليله بما يزعم من امتلاكه من أدوات من الذين ركبوا صهوة الثورة ، وأوهمهم الحراك أنّهم أصحاب مشاريع…
باغتني الدوار من جديد …طويت مذكّراتي…وغادرت نحو المقهى ألتمس بعض الرّاحة…طلبت من النّادل قهوة دون سكّر…استرخيت على الكرسيّ…ما إن هممت برشف القهوة حتى تهيأ لي انّي أبصر من خلال الفقاقيع على صفحها ذاك الوجه الاسمر بتقاسيمه المعهودة . عدلت على شرب القهوة …وضعت الفنجان وهممت بالوقوف . ها هو “غريب” يقف أمامي ملقيا تحية الاخوان وبرفقته أحدهم وقد أمسك بذقنه التي طالت أكثر ممّا توقعت. اشتدّت آلام رأسي …أسرعت بالعودة إلى مكتبي …امسكت بمذكّراتي ، احتضنتها ، قبلتها ثمّ ألقيت بها في الموقد .

السابق
أمواج الغواية
التالي
نَشَبٌ

اترك تعليقاً

*