القصة القصيرة

خيبة

خرجت سريعا قبل الموعد بساعة على الأقل، لحرصي على الحضور قبلا، توجهت إلى المقهى المطلوبة، دون أن أهتم بالرد على تحيات الجيران و الأصدقاء..فقد تركت الدهشة متشبثة بوجوههم و الفضول يأكل دواخلهم..
اتخذت لي مكانا بعيدا عن الأعين، يسمح لي بالمراقبة، دون أن يغيبني عن الأنظار..
…………….؟
نعم، وضعت برنيطة على رأسي، شبيهة بتلك التي يعتمرها القاص الكبير، السي أحمد بوزفور، و سريدة كتلك التي يرتديها الناقد الكبير، السي محمد برادة، و سروال جينز أسود، و حذاء رياضيا..و ووضعت نظارات طبية ..
…………….؟
لابد من الاهتمام بالمظهر، و أبغي أن أترك انطباعا قويا في نفسية منتظرتي، أريد أن أظهر بمظهر المثقف،لعلمي باهتماماتها الادبية، و لرغبتي في أن أظهر بمظهر المثقف حتى أحقق لنفسي إشباعها ، رغم أن المثقفين يعانون من التهميش، .. هؤلاء الذين أغلقوا الدائرة حول أنفسهم ، و أقصوا غيرهم ، فقد ضاءت صدورهم حتى إنهم ما عادوا يسمحون لغيرهم بالظهور..يزاولون سلوك السلطة نفسه، يشتكون من تهميشها لهم، و يهمشون غيرهم، إنه نوع من السيزوفرينيا..
………………..؟
طبعا، دخلت الحمام، أخذت دشا دافئا ينعشني، و يبعد عني بقايا النوم، و انتفاخ الوجه..حلقت ذقني و عطرته ، صففت شعري، و ارتديت لباسي المذكور أعلاه…لا يمكن أن أرتدي الملابس دون نظافة، عيب..
…………….؟
هذا كتاب أحمله لكونه العلامة التي ستمكننا من التعارف، صحيح أننا تعرافنا عن طريق الخطأ بواسطة العالم الافتراضي، فقد بعثت برسالة لإحدى صديقاتي، و كتبت عنوانا خطأ، فردت علي بلباقة، فاتحة باب التواصل مشرعا، فدخلته من باب الفضول، آمنا، بعد بضع رسائل، و انتقلنا إلى الموقع الاجتماعي، الفيسبوك، لمتابعة الحوار و التراسل، و اطلعت على صورتها، شابة في العشرين، ذات عينين واسعتين، و وجه مستدير، و شعر فاحم، و ابسامة جذابة، ليس بالفاتنة، و لكنها مليحة، قد يصعب علي تعرفها واقعيا، لأن الصور الموضوعة قد تكون منتحلة..
……………..؟
إنه كتاب، رجوع الشيخ إلى صباه، لم أتمكن من قراءته سابقا، فقد سمعت عنه الكثير، و رغم ما أثاره في من فضول، فإنني لم أسارع لقراءته، و قلت، هذه هي المناسبة، أصل قبل الموعد، أطالعه و أتابع الزبائن و المارين..
……………..؟
لم أكن مقترح الكتاب، بل هي التي أصرت على هذا العنوان..ربما لأنه كتاب يتحرج الكثيرون من قراءته في الأماكن العامة..و قد رضيت بحمله كنوع من التحدي…أما مطالعته فكانت ميسرة ، إذ المكان المختار مكنني من ذلك..
كنت أستلذ بالقراءة رغم ضجيج المكان و شديد الحركة، ثم بدأ يخف الصخب شيئا فشئا..إلى أن صار ضاجا بالصمت، أرتبت، رفعت عيني لاستطلع السبب، وجدتني وجها لوجه مع فتاة كفلق الصبح، شدت رحال الأنظار إليها بخشوع، و كأن الرواد ليسوا بالمقهى و لكن قبالة محراب الجمال صامتين، بتمهل يتشربون الروعة التي منحهم الرب إياها، و يستلذون بأنسام الحلاوة و عبق عطر الوردة المتفتحة..بقيت عيناي مسمرتين فيها للحظة، ثم أحنيت رأسي أخفيه بين دفتي الكتاب لأخفي اضطرابي، بل الزلزال الذي هز كياني..
بقيت فترة واقفة ترشقني بنظراتها الخلابة، ثم جلست إلى الطاولة المقابلة لي بالضبط ..
لم يأت النادل إليها قصد تلبية طلباتها كما يفعل دوما، فبمجرد ما تلامس المقعد حتى تجده واقفا فوق رأسك يسألك طلباتك، و كأنه القدر المحتوم..الآن، ظل كتمثال لا يأتي بأية حركة، عيونه مبحلقة و فمه شارد..
و لأنها لم تجد إلا عيونا جاحظة، و لم تجد من يلبي طلباتها، فقد انصرفت و بسرعة خاطفة كأنها حلم، أوقف الزمن لفترة، ثم غاب..عاد المقهى إلى سابق عهده..
نظرت إلى الساعة، أذن المؤذن لصلاة الظهر، حان وقت مجيئها، و إذا ما تأخرت، فلابأس بذلك، سأكمل قراءة الكتاب..و كذلك كان..منيت نفسي بحضورها، لم يكن إلا حلما..لم تظهر إطلاقا..ضاعت فرصة التعرف و تناول الغذاء بصحبتها، فعادة ما أتناول غذائي بمفردي..
……………؟
عدت إلى منزلي أمشي بخفي حنين..لدى وصولي وجدت رسالة منها مقتضبة، تقول فيها
الحظ لا يطرق الباب مرتين..
كاتبتها لأعرف فحوى الرسالة، كانت رسائلي تعود إلي خائبة هي الأخرى ، فلا يوجد عنوان بهذا الاسم.

السابق
باحث عن ظل امرأة ..
التالي
ضيق

اترك تعليقاً

*