القصة القصيرة جدا

خيبة

لا يطيب لي عيش دون عراك مع أحد ما؛ فإن لم أجده أصب جام غضبي على مرآة مشروخة من مقتنيات أمي المتوفاة والتي كانت لا تفارقها أبدا، تخاطبها كما أفعل أنا الآن. تلجأ إليها عندما تضيق بها الدنيا، وهذا الشرخ كان من جراء رمية حرة، ومباشرة من حذائها إثر مشادة عنيفة مع والدي لم أعرف سببها إلى الآن. ربما احتفظت بها لأنني فضولي بطبعي ولدي اقتناع راسخ أن هذا الشرخ الذي يتوسطها سيخبرني بما خفي عني منذ سنين طفولتي. كانت تقول لي دوما:
– يا بني عليك أن تحلق كما الطيور، وإن لم تجد فضاء رحبا، ارسمه في مخيلتك واخترقه بجناحيك.
– لكن يا أمي لا أملك جناحين؛ فكيف سأطير، ألن ترافقينني؟
– بلى يا بني، سأكون معك دوما، ولا تنس أن تضع في جيوبك حبات قمح.
كان هذا آخر ما تفوهت به، وألقت برأسها الجميل على وسادة محشوة بأشواك برية صنعتها بنفسها لهذه اللحظة. ألقيت نظرة في المرآة لأجد الشرخ يتوسع ويتوسع إلى ما لا نهاية، وأنا في المنتصف أرسم دوائر متداخلة ومنحنيات عشوائية. أنا عالق الآن في متاهة صنعتها يداي في مرآة أمي المشروخة حيث نبات العليق يلتف حول جسدي وحذاء أمي يقطر دما، أما حبات القمح تلك؛ فلم تكن سوى مسامير تدق في جسدي؛ لأجد نفسي معلقا من قدمي في زاوية حادة، يقترب ضلعاها ويتلاصقان وأنا بينهما أتخبط في حيرتي وأسعى جاهدا للحيلولة من انسحاقي بينهما. لم أجد بدا من التشبه بذاك العنكبوت القابع في الزاوية الأخرى، المندهش من غرابة شكلي ووضعيتي في هذا المكان. إنه ينسج شبكة دفاعية ويتربع عليها سيدا، وأنا أجهد للتخلص من شبكة ليست من صنعي. نقيضان في موقعين مختلفين، مقيد تطبق عليه زاوية حادة، وحر طليق ينصب شباكه بمهارة في زاوية منفرجة. إنه العنكبوت الذي تقمصه “كافكا”وأبدع في ذلك. أراه الآن بابتسامته الصفراء يسخر من عجزي وقلة حيلتي. كان علي أن أستنجد به؛ فهذا هو الحل الوحيد. كأنه قرأ أفكاري، رمى شبكته، وتلقفني؛ لنصبح متجاورين تماما. قال لي بتودد: إبق معي نحيك وطنا جديدا، ودعك من وطن متشظ؛ فلا أحد قادر على رأب الصدع فيه.

السابق
قرار
التالي
الجدار

اترك تعليقاً

*