القصة القصيرة

خير

مات “خير” ماذا أفعل؟ وكيف أنفق على العائلة وإيجار البيت والمدارس؟ بهذا الخبر المفجع كان بداية يوم جديد على أسرة فقيرة تسكن سطح مبنى قديم بشارع جنبي ضيق في أحد أحياء مدينة القاهرة القديمة، هذا حال عمي “شخلع”، ذلك الاسم الذي أشتهر به بين سكان هذا الحي، كان دائماً بجلباب قديم مرفوع إلى ركبتيه الرفيعتين السمراوين وتحتهما ساقين دقيقتين كعيدان الغاب، في حركة مستمرة كعقرب الثواني، حتى وهو نائم لا تهدئان سواءً من الألم أو من الكوابيس وقليلاً من الأحلام غير المكتملة، ذو وجه رفيع ولحية خفيفة وشارب غير مهذب كأنه مجموعة من عيدان البرسيم وضعت علي شفتين غليظتين عندما تنفرجان يظهر من بينهما مجموعة غير متناسقة من الأسنان السوداء لم يُبقي منها العمر ولا الفقر إلا القليل غير ثابت كأنها بلا جذور.
دائماً ماسك في يده رق ورابط علي أحد معصميه سلسة طويلة تنتهي بـــ “خير”؛ وهو الاسم الذي أطلقه على القرد مصدر رزقه الوحيد في هذا الحي الذي مات فيه الإحساس منذ أمد، ودائمًا سكانه في حالة شِجار، ويحسد بعضهم بعضٍ حتى على الابتسامة.
كان عمي “شخلع” يخرج كل صباح ويذهب إلى كل أحياء القاهرة وأمام المدارس والجامعات والحدائق؛ حيث يقدم فقراته المعتادة التي لم تتغير منذ أن أمتهن تلك المهنة:
– هيا يا “خير” هيا أرقص، هيا أقفز فوق الحبل هيا سلّم على الآنسة، صفق للأستاذ.
– لا.. لا، أُريد منك أن تجعله يغني، هذا ما صاح بهِ أحد الحضور المتحلقين حول “شخلع” و”خير”، اللذان ولو نظرت إليهما من بعيد لا تكاد تفرق بينهما إلا من خلال ذلك القماش البالي الذي يرتديه “شخلع”.
– كيف أجعله يغني؟
– إن جعلته يغني سوف أُبذل لك العطاء أضعاف ما تحصل عليه في اليوم.
– إنه حيوان لا يتحدث، وربما لو غنى لن يعجبك صوته.
– سوف يعجبني، أجعله يغني بأي صوت، وأخرج من حافظته فئات نقدية لم يرها “شخلع” قبل ذلك.
– لأجلك سوف أجعله يغني.
فعل كل المحاولات والمداعبات و”خير” لا يفهم المراد منه، فإنه شيء جديد عليه، فقد أعتاد على الرقص والسلام على المتفرجين والقفز من فوق الحبل، لكن الذي يريده منه مالكه لا يفهمه، فكيف يقوم به؟ لم تفلح كل محاولات عمي “شخلع” ليجعل القرد يغير من عمله اليومي أو حتى يجعله يفهم ما يُراد منه.
ألهب جسمه بالعصا، ومع ذلك لم يقم “خير” بالغناء لأنه لم يفهم، ولكن أطلق صيحات استغاثة وجال بعينيه الدامعتين بين الناس لعل أحدهم يفهم أو يشعر بألمه، لكن مع كل ضربة عصا يصيح، ومع كل صيحة من صيحات “خير” تزداد ضحكات المتحلقين، حتى تحول صياحه إلى أنين مكتوم يشكو به لرب العباد ظلم العباد.
عاد عمي “شخلع” إلى حارته فرح بما حصل عليه من أموال، ويحلم ويفكر بكل ما سوف يحققه بتلك الأموال ويشتريه ليدخل السرور علي قلب عائلته بعيون تحلق في كل اتجاه باحثة عن المشتريات، لكن أبداً تلك العيون لم تلاحظ “خير” الذي يتعثر في مشيته مثبّتاً عينيه على “شخلع”، كأنه يسأله لماذا كل هذا الضرب؟ ولماذا أنت فرح هكذا؟
للأسف “خير” لا يفهم لغة البشر ولا يفهم غير ما أعتاد عليه من سنوات، ولم يحلم بشيءٍ إلا بالليل الذي يركن فيه إلى أسفل السلم حيث ينام مع قليل من الطعام مربوطاً بالسلسلة بدربزين السلم، كأنه والسلسلة محكوم عليهما بالحبس مدي الحياة، في هذه الليلة لم ينم “خير”، وبعد برهه وجد ما تبقي من تلك الأوراق النقدية التي كانت بيد “شخلع” بعد ما أشتري حاجيات أسرته حيث سقطت منه بدون أن يشعر، قلبها يمين ويسار وفي نوبة غضب مزقها، وسقط على الأرض مغشياً عليه تسيل الدماء من أنفه حيث أصيب بانفجار في المخ ومات قبل شروق الشمس بسويعات قليلة.

السابق
الفستان الأبيض
التالي
كلب منزوع الدّسم…

اترك تعليقاً

*