القصة القصيرة جدا

داود وجالوت..

توسّدتْ صغيرتي أرينُ ذراعي، وقالتْ: ما قصةُ الليلةِ يا أبي؟
قلتُ: كان الفتى داودُ يسير بين تجمّعات الجند العبرانيين، وهو يحمل طعامًا أرسلته به أمه لأخويه، فيسمع همْهَمَة الجنود وتهامسَهم بقوّة جالوت الفلسطيني، وكيف لهم أن ينتصروا على هذا العملاق.
ويسأل أخاه: مَنْ جالوت هذا؟
– إنه رجل جبار عظيم الخلقة، يقاتل ومعه رجل أقصر منه يحمل ترسَه، ومنذ ثلاثة أيام ينزل وينادي: هل من مبارزٍ يا بني إسرائيل؛ إن قتلتُه خضعتم لي، وإن قتلني خضعَ شعبي لكم؟
أنا سأقتله!. قال داود وهو يشد مقلاعَه على وسطه. وعلى الرغم من أن أخاه حاول تثبيطه وثنيَه عن رأيه إلا أنه أصرّ على مقابلة الملك طالوت.
كان طالوت مجتمعًا بقادة حربه حين أُبْلغ بأن فتًى شابًّا يريد أن يقابله لأمر مهم؛ فأذن له.
– السلام عليكم، أيها الملك.
* وعليكم السلام. خيرًا..؟!
– اسمي داود. أريد أن أبارز جالوت.
* هكذا؟! لكنه جبار، ولا أرى معك إلا مقلاعًا.
– سأبارزه بالمقلاع!
* يا بني، مبارزته حاسمة، وقد يضيع بنو إسرائيل بسببك.
– بل سأنتصر عليه، فحجري لا يخطئ، ولو معه أسلحة الدنيا!
* إن قتلتُه زوّجتُك ابنتي، وأشركتُك في الملك.
اختار داود خمسة أحجار ملساء بحجم قبضة اليد..ونزل إلى ساحة المعركة ينادي جالوت، طالبًا نزاله. فخرج الفلسطيني العملاق مدججًا بالحديد..وبين يديه رجل قصير يحمل ترسًا. ومن بعيد ثبّت داود طرف مقلاعه براحة يده، وكوّر الحجرَ في صحنه، وأمسك الطرف الآخر بين أصابعه، وأخذ يلوّح به إلى جانبه.
المقلاعُ وداودُ صارا شيئًا واحدًا يهوي إلى جالوت، وحين تميّزَهما انفتح المقلاعُ عن الحجر، ولم يرَ إلا شيئًا كصقر ينقضُّ عليه، ويرتطم بأمِّ رأسه؛ فاسودّت الدنيا في عينيه، ودارت به، وهوى كصخرة صمّاءَ.
نامت صغيرتي وأنا أخبرها أن حجرًا واحدًا كان كفيلاً بتحطيم شعب، وبناء دولة أخرى. وأن الله سبحانه الذي نصر داودَ بحجرٍ قادرٌ أن ينصر حاملي المقاليع الذين يقذفون بها الحقَّ على الباطل، فيدمغه، ويزهقه!
داودُ العبرانيُّ كان مع الله فنصره، وجالوتُ الفلسطينيُّ اليومَ مع الله بمقلاعه وسكينه، أمام دافيد (داود) العبرانيّ، الذي يغتصب أرضنا ويدنّس مقدساتنا.
”إنْ تَنْصُروا اللهَ يَنْصُرْكُمْ ويُثبّتْ أقدامَكُمْ”.

السابق
إشهار
التالي
عقـُوق

اترك تعليقاً

*