قراءات

درسٌ جديدٌ في الفرق بين القصة القصيرة والقصيرة جدا في نص “مؤامرة”

للكاتب بدوي الدقادوسي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

تكلمت قبلا في كتابي “فن القصة القصيرة ونصوص تطبيقية” في باب خصوصية القصة القصيرة، وتحدثت في هذا الباب عن (المبتغى والشكل) في خصوصية القصة القصيرة، بما أن القصة القصيرة لها خصوصية كجنس أدبي، إذن هي لها سمات محددة لا تتشابه مع جنس أدبي آخر..
ومن أهم هذه السمات والخصوصية الموضوع؛ فموضوع القصة القصيرة خاص ومتميز، كما قال أوكونور في كتابه “الصوت المنفرد” ترجمة د. محمود الربيعي، في معرض حديثه عن المقارنة بين فنون الآداب، تكلم عن الرواية والقصة، حيث قال: “أن الرواية هي صوت المجتمع في حين أن القصة القصيرة هي صوت الفرد” ومن هنا تتميز موضوعات القصص القصيرة، فإن موضوع القصة القصيرة هو من ضمن خصوصياتها، بل هو من أهم خصوصياتها.
كلما أمعنا النظر في اختيار موضوع القصة القصيرة، واقترب من الفرد وخصوصيته، أفضل بكثير من أنه يتكلم عن جماعة، ويتكلم عن خصوصية تخص جماعة بعينها، أو حالة تصيب جماعة بعينها، أفضل من أنه يتكلم عن الجماعة بشكل عام، ويرصد الجماعات بشكل عام، هذا من ناحية الخصوصية في الموضوع، أما من ناحية المبتغى والشكل؛ فهذا يستلزم من الكاتب تكثيف النظر على حالة الفرد التي هي موضوع قصته، مثلا كما كلمنا الأستاذ بدوي هنا في نصه “مؤامرة” كثّف عمله على عجز ما في شخصية البطل، وإن كان ضعف البصر مثلا، كيف أن الحالة التي يمر بها ـ ضعف بصره ـ جعلته يبدو إنسانا مختلفا عما كان، ويصدر أفكارا وتصرفات مختلفة، يبدو متشككا في كل من حوله، وكل ما يحاك حوله كمؤامرة ضده..
إن القصة القصيرة تبرز الحدث بشكل مبالغ فيه، كما لو أن البطل معتل، أو إنها تضخم الأمر، وتتكلم عنه على إنه غير عادي، ولا هي تدّعي ذلك، ولا هي تفتري عليه، ولكن هي تأخذ جانبا من شخصية البطل، وتظهر أثره في النفس، تعكس باطنه بشكل إكلينيكي دقيق، لماذا؟ على سبيل التدليل على نص “مؤامرة” أن هناك ملايين البشر على مستوى العالم لديهم ضعف نظر، بل عميان ويمارسون حياتهم بطبيعية، هم يتصرفون وفق المنقوص فيهم؛ فيبدون بالنسبة للمجتمع ولأنفسهم طبيعيين بدرجة أو متكيّفين مع ما أصابهم، ولأن القصة القصيرة ترصد غير العادي دائما، تصوّر لنا البطل في أول مراحل ضعف البصرأو العمى القادم، وعدم تكيّفه على وضعه الجديد، ومدى حزنه على نفسه في الباطن الذي يرفضه باسقاط معاكس، أن جميع من حوله يتآمر عليه..
فمبتغى القصة القصيرة هي قدرة الكاتب على الاستحواذ على المتلقي في عدد من السطور لم يكن في حجم الرواية، والتركيز على رصد حالة بعينها، تعاني وجعا ما، أو جماعة تعاني ألما ما، حتى وإن بدا للمتلقي أن هذه الحالة أو الألم عاديا، ولكن طريقة نقله وسرده، جعلك تنتظر، أو جعلك في ترقّب لرصد الحالة، شريطة أن ينتهي بك القاص على أن تفكر فيما وراء السطور، أو فيما وراء هذا الوجع أو الألم اللذين كنت تظنهما قبل قراءة نصه أنهما عاديان، أو لديك مفهوما معينا محدودا عنهما، وأشعلا بداخلك ضوءا جديدا من نور المعرفة؛ فهذا هو المبتغى، أن تجعلك القصة القصيرة بشكلها هذا، وسردها هذا، تجعلك تفكر بعد قراءتها، ما مبتغى الذي تكلّم عنه النص؟ أنك بعد اليوم، بعد قراءة هذا النص، إدراكك لمثل هذه الحالات العابرة في حياتك قد اختلف، تبرر لهم بعد هذا النص تصرفاتهم.. ترحمهم ولا تقسو عليهم إن بدا منهم تصرف غريب، أو تزيّد في الأمر، أدركت ما يعانون..
وهذا الحديث الذي تناولته من فصل داخل كتابي يجرّني إلى الحديث عن مفارقة مهمة يقع فيها البعض بين الفرق بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، وإن نص “مؤامرة” لخير دليل عن ذلك..
يبدو في مفهوم الكثير من الكتاب الجدد أن من ضمن فروق القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا الحجم ـ عدد الكلمات ـ ولكن الذي لا يعرفه الكثير أن القصة القصيرة بالذات متحررة من هذا العامل نسبيا وليس كليّا، بمعنى أن القصة القصيرة لا يعدّ الحجم شرطا أساسيا وعنصرا من عناصرها، لأن موضوعها وطريقة سرده هو العامل والشرط الأساسي في بنائها، من حيث انتهى مبتغاه انتهت، حتى ولو في أقل عدد من الأسطر، يبنما القصة القصيرة جدا عناصرها تختلف، إذ أن الأخيرة تعتمد اعتمادا رئيسيا على قدرة الاختزال والتكثيف، وموضوعها أيضا يختلف نسبيا، هو أقرب لمناجاة الشعور في الموضوعات التي تتناول الحالة الفردية، وأيضا في الموضوعات التي تتكلم عن المعاناة، ويمكن أن تتكلم عن معاناة المجتمع كله بشكل عام، وممكن أن تستنطق في موضوعها الجمادات، وهي تميل إلى النظرة الفلسفية نوعا، والرمز من أساسيات تكوينها، إذ أنها أكثر ميلا للاختزال والتكثيف، ولحظة التنوير فيها، أو الخاتمة، أو القفلة بها مفارقة، أما مفهوم المفارقة فهي ليست دهشة كما يدعي البعض، المفارقة في القصة القصيرة جدا، كما اسميتها أنا في كتاب آخر، “نقطة التركيز” التي تعيد بناء القصة كله في مخيلتنا وفي مفهومنا، وهي يمكن أن تحيلنا لموضوع مغايرلما بدا لنا في متن النص، أو أنها تدعّمه بفكرة أوسع في النهاية، أو تكون هي المدخل للمفهوم الجديد أو النقطة الجديدة، وعلى سبيل المثال في قصة قصيرة جدا لي من ستة أسطر تسمى “صوت من الداخل” بطلها اسمه حمزة، المتن يتحدث عن واحد ينصح واحدا ويلومه على أن تهوره دفعه للهلاك، ثم في نقطة التركيز، نجد المتحدث معه أنه ميت أصلا، والأدهش أنه طفل، والمتحدث معه هو الأخ الشاب الكبير الذي كان لا يشغل باله بالقضية، وما ينطوي في شعوره مغايرا على ما كان ينطوي في فكر حمزة الطفل، واستيعاب حمزة للقضية، ونفاجأ في النقطة الأخيرة أن موت حمزة قد غير مفاهيم أخيه الشاب تماما، وأنه ندم على كل مافات، وأكمل مشوار أخيه الطفل حتى لحق به ونال الشهادة..
وهنا تحيلنا لحظة التنويرأو نقطة التركيز إلى اتساع الفكرة ومضمونها، وتغير شعور المتلقي معها، وهذا يدلنا عن متبغى القصة القصيرة جدا وخصوصياتها، ولي قصص قصيرة جدا كثيرة توضح الشكل والمضمون والموضوع والبناء، ونقطة التركيز، وأيضا يصل لفمهومنا مبتغى كل جنس أدبي على حدة..
وهذا النص “مؤامرة” رغم قلة عدد أسطره إلى أنه يندرج تحت القصة القصيرة، رغم قصره؛ وهنا أوضحنا الفرق بين نوعيّ القصة من ناحية الشكل والبناء وخصوصية كل منهما..

التكنيك في نص “مؤامرة”:
كل تميز هذا النص في اختياره للموضوع، وطريقة عرضه وسرده..
الموضوع هنا هو الكشف عن حالة تعتري البطل، حالة مستجدة عليه في داخله يتنكر لها ويرفضها رفضا باتا، بل يسقط كل مايبدو منه من سلوك نتيجة للحالة المستجدة على عوار كل ما هو خارجه والمحيط من حوله؛ فنراه في أول جملة بأسلوب استنكاري استفساري نراه يسأل: “ما الذي دهى هذه النظارة ؟” وبأسلوب به الحرفية يعبر الكاتب عن رفضه الشديد للحالة وعدم اقتناعه بما أصابه من عوار في ضعف النظر، يقول: “قمت بمسحها ألف مرة وبمناديل حريرية، ولكن دون جدوى، ناولتها زوجتي لتتولى مسحها بطرحتها الحرير، ولكني ما زلت لا أرى بوضوح، تناولتها من يدها.. ساخطا عدت للقراءة” فمحاولة الكاتب أن يعرض في براعة بلا زيادة، عدم اقتناع البطل بالحالة التي اعترته، شيء يجسّد الخصوصية في الجنس، ويوضح المبتغى جليّا منيرا أمام المتلقي: “وابنتي تراقبني من الخلف وهي تبكي؛ فتقدم نحوي ابني، أمسك بيدي قائلا: دع هذا الجهاز (دع جهاز الكمبيوتر) الآن وتعال نسير سويا بعض الوقت. لا أعلم كيف غيروا درجات السلم فصارت صغيرة بهذا الشكل المزعج” إلى أن تعلو درجات سخطه، ومن بعدها حالة الشك في كل من حوله، تأكيدا على الرفض وعدم الاعتراف: “صاحب البيت يتفنن في التقشف حتى سلم البيت، لم يسلم من مؤامرته الخبيثة. أمسك الولد بيدي ولا أعلم لم نظر نحوي وهو يبكي” فكانت لحظة التنوير لم تكن مفارقة، ولم تتدهش، إذ أنه لعب عليها في أكثر من موطن في متن القصة، ولكنها تتركنا بعد أن أسلمتنا للتفكير العميق في حالة هذا الرجل، كيف له أن يستكمل طقوس حياته بعد أن يتأكد من العوار الذي أصابه؟ هل من الممكن أن حالة مثل هذه الحالة تصيب إنسانا تجعله يتغير رويدا رويدا، وينقلب على ذاته ويسخر من المجتمع؟ وتتعدّد الأسئلة وتكثر التساؤلات؛ فينجح النص في مبتغاه، ويجيد الكاتب، ويذكرني بقصص تشيكوف، الذي ينتهي بك فجأة بعد أن أسلمك إلى التوحّد مع النص وأبطاله.. تحية بدوي الدقادوسي.

السابق
مؤامرة
التالي
شَهدُ الغياب

اترك تعليقاً

*