القصة القصيرة

دعوة على العشاء

الإجتماع السنوي سيكون مختلفا هذا العام.
ردت عليه زوجته سمية وهي تكمل ارتداء ملابسها:
وما الجديد؟ مجموعة من المتملقين للمدير العام واستعراض لخطوط الموضة لبعض البدينات.
ضحك وهو يرتدي رابطة العنق قائلا:
لأنك تواظبين على تدريباتك الرياضية تسخرين من الناس!
أجابته ساخرة: لأني أعرف يا حبيبي أن عينك زائغة وطبيعة منصبك كمدير للمبيعات تجعلك تقابل كل أنواع النساء، ولو لم أنتبه لك فلن أجد نفسي.
أحاطها بذراعيه متوددا لها بعد أنهت زينتها قائلا:
وهل من الممكن أن يكون لدي كل هذا الجمال وهذه الأناقة بعد طفلين وأنظر في الخارج؟ ثم يا حبيبتي أنت تعلمين أنه لاوقت لدي للتنفس، حفلة اليوم أنا المسؤول عن تنظيمها بالكامل وكل المناسبات المشابهه، وسفر مستمر بحثا عن فتح أسواق جديدة وإبرام معاهدات مختلفة، واجتماعات شبه يومية لمجلس الإدارة، هل تعلمين أن حفلة اليوم مدعو لها الكثير من العملاء بدعوة خاصة لمشاركتنا الحفل.
ابتسمت له قائلة: إذن ستتضاعف جرعة النفاق، وسيحاول البعض سرقة الأضواء منك رغم عامك الناجح وقدرتك على فتح أسواق خارجية جديدة.
فتح لها باب السيارة ثم ركب سريعا إلى جوارها قائلا:
لا تخافي علي يا حبيبتي، أنا أملك أوراقا ضد الجميع، حتى المدير العام، ومن يريد محاربتي فليتفضل.
ربتت على كتفه واثقة من تميزه ثم قالت: يا ترى ماذا أعددت لنا اليوم من طعام؟
أجابها مبتسما: قائمة الطعام فيها كل شيء تقريبا، لكني أعددت مفاجأة للجميع، طاهي ياباني عالمي سيصنع السوشي كما لم يفعل أحد من قبل.
وصلا حينها إلى الفندق الفاخر الذي سيقام فيه الإحتفال. كان وصوله مبكرا للإشراف على اللمسات النهائية، طلب من زوجته التمتع بالتجول في أروقة الفندق ريثما ينتهي من متابعة التجهيزات.
بدأ الاحتفال في موعده بعد أن امتلأت القاعة الكبرى بالعاملين والمدعوين، ثم توالت الكلمات المثنية على العام من كل النواحي وتوضيح النجاح الذي حققته الشركة في فتح أسواق جديدة، وحاول كل مدير قطاع أن ينسب النجاح لنفسه، بينما نسب المدير العام كل النجاح لإدارته العبقرية رغم أنه كان على وشك الرحيل قبل تعيين حازم منذ عامين لتدهور كل شيئ في الشركة.
نظرت له زوجته وهو واقف على قدميه منذ بداية الليلة مشفقة. أرسلت له قبلة دعم في الهوء استقبلها بلهفة وفرحة أنسته إحباطه الشديد وأعادت دمعة كانت على طرف عينه إلى مستقرها.
فوجئ الجميع بالعضو المنتدب للمجموعة المالكة للشركة يطلب الكلمة، صعد غاضبا تبدو على ملامحه الهادئة علامات الثورة القادمة، توجس الجميع خيفة، بدأ حديثه بالإثناء على أداء الشركة في العامين الأخيرين، ثم طلب من صاحب الفضل في ذلك الصعود إلى جانبه، وقف المدير العام ومعه المدير الإداري وحتى مدير الإنتاج استعدادا للصعود، فوجئوا بابتسامة غاضبة منه، ثم تحدث قائلا:
النجاح في الحياة مرتبط بالاجتهاد، التميز والتفرد مرتبط بالموهبة، الإدارة موهبة حقيقية، نحن لسنا شركة حكومية تضيع فيها الحقوق ويأكل الكبير حق الضعيف، السبب الأول في تغير نتائج الأعمال في الشركة خلال العامين الأخيرين هو ذلك الشاب الذي أدخل تعديلات على كل شئ في الشركة، طريقة الإنتاج، طريقة التعامل مع العاملين، طريقة جذب العملاء، المهندس حازم تاج الدين.
ساد الهدوء للحظات، جلس المدير العام ومعه مجموعته مصدوما. ثم دوى تصفيق حاد من الجميع، صعد إلى جانب العضو المنتدب غير مصدق، ما أن وصل حتى أكمل حديثه قائلا:
وبهذه المناسبة أعلن بصفتي العضو المنتدب وممثلا لمجلس إدارة المجموعة ترقية حازم إلى منصب المدير التنفيذي للشركة بصلاحيات المدير العام.
لم يستطع مغالبة دموعه هذه المرة، وقف الحاضرون تحية له، حياهم والفرحة تقفز من عينيه، ثم تحدث شاكرا الإدارة العليا على الثقة متعهدا ببذل كل جهده لتصبح الشركة في الريادة..
نزل غير مصدق، توجه مباشرة نحو زوجته التي عانقته بحرارة، فوجئ بمديري القطاعات يلتفون حوله بعد أن كانوا يهملونه طوال الوقت، سمع عبارات الثناء والنفاق كما لم يسمعها من قبل، ابتسم وهو ينظر لزوجته .
كان آخر المهنئين المدير العام الذي أخبره أنه فهم من العضو المنتدب أنه سيظل همزة الوصل بين الشركة والإدارة العليا. طلب منه إرجاء التنسيق حتى عودتهم للعمل لأن الضيوف قد سمع صوت زقزقة عصافير بطونهم، بلعها المدير العام وعرض عليه مساعدته في باقي الحفل، ضحك حازم لا إراديا ثم أخبره أن كل شيء تحت السيطرة. انطلق بعدها في الإشراف على باقي الحفل وسمح بدخول نجم العشاء الشيف الياباني الشهير، دخل في عرض مبهر بمطبخ متنقل توسط القاعة، ثم بدأ في إعداد السوشي الياباني الشهير بواسطة شرائح سمك من أنواع مختلفة مثل أسماك الرنجة والسلمون والقد سابقة التجهيز، حيث يتم تجميدها سبعة أيام على الأقل في حرارة أقل من 20 مئوية تحت الصفر لقتل أي مسبب مرضي بها لأنها تقدم نيئة، يصنع في المطبخ الياباني من الرز المخلل المغطى بشرائح سمك نيئة مستطيلة ومنزوعة الجلد، أو يلف الأرز حول حشوات مختلفة من المأكولات البحرية أو الخضراوات أو بيض السمك أو اللحوم، وتغلف هذه اللفافة بورقة رفيعة من الأعشاب البحرية للتماسك وإضفاء نكهة مميزة. وقد تكون حشوة أو غطاء أرز «السوشي» نيئا، كالأسماك وبيضها، أو مطبوخا أو مفروما. وعادة ما يؤكل هذا الطبق مع صلصة مركبة من معجون جذور نبات الواسابي وصلصة فول الصويا. قبلها استعرض مهارته الفائقة باستلام سمكة حية وتنظيفها وحشوها ثم قليها وتقديمها وما زالت تتحرك، صفق له الجميع.
كان الحاضرون في قمة السعادة، فجأة انقطعت الكهرباء.
طلب مسئول الفندق من الحضور الهدوء لأن المولد الاحتياطي سيعمل بعد ربع ساعة، بالفعل عادت الكهرباء واستكمل الحضور طعامهم الصاخب، بعد نصف ساعة بدأ بعض من أنهى طعامه في تناول الأطباق ااشرقية والغربية من الحلوى.
فجأة دوى صوت صرخة نسائية، إنها زوجة العضو المنتدب، بعدها توالت الصرخات من الجالسين على منضدة مجلس الإدارة والمجاورة لها، ساد الهرج والمرج، قام بعض الأطباء من الحضور بمحاولة إسعاف الصارخين، طلبوا سرعة إحضار الإسعاف فهي حالات تسمم شديدة. جاءت الاسعاف سريعا فنقلت الحالات المصابة إلى المستشفى، في نفس الوقت أغلق الفندق أبوابه ومنع خروج أحد حسب تعليمات أمنية سابقة في مثل هذه الحالات.
حضر فريق التحقيق سريعا، فمثل هذا الحادث في فندق فاخر به جنسيات متعددة له عواقب وخيمة لو لم يعرف أسبابه.
ساد الهدوء التام بعد أن وصلت حالات التسمم إلى أكثر من عشرين حالة متدرجة القوة، بدأ فريق الطب الشرعي في جمع العينات من جميع أنواع الطعام، بينما كان فريق آخر يجمع العينات من المصابين في المستشفى، بعد ساعة وصل للقاضي خبر صادم، توفي العضو المنتدب وأحد كبار الضيوف ممن كانوا يجلسون على طاولته، تحول شكل التحقيق إلى جريمة قتل متعددة مع احتمال زيادة الحالات.
بدأت التحقيقات بإدارة الفندق التي أكدت أن إشراف الحفل بالكامل كان في يد السيد حازم، كما أن الطاهي الياباني والسمك الذي يعمل به هو من اختصاصه ولم يتدخلوا فيه، والفندق حاصل على أعلى شهادات الجودة في العالم وخاضع لرقابة جهات حكومية وشركات خاصة.
بعد ذلك تم استدعاء مدير عام الشركة بصفته الجهة المنظمة.
فوجئ المحقق به يوجه اتهاما مباشرا لحازم بمحاولة قتله بالسم.
سأله المحقق مباشرة: وما أدراك أنه سم وليس طعام فاسد؟
تلعثم المدير قليلا ثم قال: حتى لو كان طعاما فاسدا، فأنا أتهمه بالإختلاس لأنه بذلك يكون قد سرق مبلغا ضخما من فروق الثمن، وهو بارع في ذلك لأنه عمله الأساسي، كم نصحته أن يرضى بالقليل ولا يتعجل.
المحقق: أنت تريد أن تتهمه في كل الأحوال، عموما سنرى.
توالى دخول مديري القطاعات، كانوا يتفنون في اتهام حازم بكل شيء منطقي وغير منطقي.
على النقيض تماما كانت شهادات العملاء وبقية الحاضرين من العاملين بالشركة، كلهم شهدوا له بالنبوغ والتفوق وانتشال الشركة من الضياع.
وصلت حينها النيابة ممثلة في قاضي تحقيقات بعد أن بدأت القضية تأخذ أبعادا سياسية إثر وفاة الوزير المسئول ومساعده ليصل العدد إلى أربعة وفيات وخمسة وعشرين تسمما والعدد قابل للزيادة.
عرض عليه المحقق ملخص المقابلات السريعة على القاضي الذي أمر بدخول حازم.
دخل متوترا يكاد ينهار من الخوف والقلق.
واجهه القاضي مباشرة: أنت متهم بقتل أربعة أشخاص حتى الآن ومحاولة قتل كل من تأثر بالحادث.
هدأ حازم تماما ثم أجاب قائلا: أنا بريء من أي اتهام.
القاضي: اتهمك المدير العام وزملاؤك بتعمد وضع سم أو شراء طعام فاسد.
حازم: اليوم كان أهم يوم لي منذ دخولي الشركة. كنت مسئولا عن تنظيم الاحتفالية التي سيحضرها الوزير وجميع قيادات المجموعة المالكة للشركة، فكيف أفسدها؟
القاضي: وما سبب اتهام زملائك لك إذا؟
حازم: الغيرة، وخاصة بعد ترقيتي اليوم إلى مدير تنفيذي من قبل مجلس الإدارة، يريدون أن أختفي من أمامهم بأية طريقة.
القاضي: وما تفسيرك لما حدث؟
حازم: سيصيبني الجنون من كثرة التفكير، لقد أشرفت على كل شيء، منذ أسبوع لم أنم، حتى الطاهي الياباني حجزته منذ أكثر من شهر، وهو معروف بمهارته العالية في طهي الأسماك وقد أثبت ذلك اليوم وبهر الناس ببراعته حتى أن من لم يكن يأكل الوشي قد أحب تذوقه من الشكل والرائحة.
وصل حينها أحد الأطباء الشرعيين وطلب لقاء القاضي.
طلب المحقق من حازم الخروج قليلا ثم سمح بدخول الطبيب الذي تحدث قائلا: أثبتت التحليلات الأولية حدوث تسمم حاد ناتج عن تناول كبد أو جلد أو أحشاء سمكة اسمها القراض أو الأرنب السام، أو تسرب السم لنسيج اللحم المستخدم للطهي، وهذا النوع من السم لا يقل تأثيره أو يزول بالغلي أو القلي أو أية طريقة طهي أخرى.
القاضي: وما هي سمكة القراض هذه؟
هي سمكة تنتشر في قاع البحر وتتغذى على بقايا الأسماك كما تتناول أحد الطحالب البحرية شديدة السمية ولذلك تعتبر صديقة للبيئة، وسبب كونها سامة لأنها تتغذى على الطحالب السامة والسم في هذه الأسماك يسمىtetrodotoxin ويتم إنتاجه في السمكة ببكتيريا خاصة تدعىALTEROMONUS SPEC وهو موجود في الجلد والأحشاء (المبايض والكبد والمعدة والأمعاء)، ولا يوجد السم في لحوم تلك الأسماك، وتصل نسبة الجرعة السامة للبشر إلى أقل من واحد ميلليجرام، وبهذا يعتبر هذا السم من أشد أنواع السموم فتكا، كما أنه لا يتأثر بالطبخ.
وتختلف اعراض التسمم من شخص إلى آخر على حسب الكمية التي تناولها وتبدأ بالرغبة في النوم العميق الذي قد يصل إلى أكثر من 6 ساعات أو حدوث تنميل بالوجة واللسان والشفتين بالإضافة إلى حالات الإسهال والقئ والدوخة وتصل في أحيان كثيرة إلى حد توقف الجهاز التنفسى وحدوث الوفاة. وحسب الجرعة فإن الأعراض الأولى تظهر على شكل الشعور بالدوخة، والتعرق، والتنميل والحكة والقيء، والأعراض الأكثر حدة تظهر على شكل: آلام عضلية، مشاكل تنفسية، هبوط في ضغط الدم والشلل الذي يؤدي إلى الوفاة بسبب توقف الجهاز التنفسي.
وقد انتقلت من الفراعنة لليابان منذ ٢٣٠٠ عام تقريبا وعشقوها جدا وأصبح لها طهاة مهرة لهم القدرة على فصل المكونات السامة.
القاضي: إذا من الممكن أن يكون الطاهي الياباني قد أخطأ في فصل سمها أثناء إعدادها؟
الطبيب: وارد، وبالمناسبة هي محرم صيدها ولا أعتقد أن فندق مثل هذا سوف يغامر بسمعته ويحضرها.
خرج الطبيب وطلب القاضي إحضار الطاهي.
سأله إن كان يتحدث لغة أخرى فأجابه أنه يجيد الإنجليزية وبعض العربية.
سأله بالإنجليزية قائلا: لماذا قمت بطهي سمكة القراضة وهي خطيرة جدا؟
تعجب الطاهي تماما ثم قال: برنامجي اليوم لم يكن فيه أي ذكر لهذا النوع، استعراض أولي بسمكة بحر عادية، ثم تجهيز السوشي بأسماك السلمون والرنجة طوال العشاء.
شكره القاضي ثم سمح له بالخروج وحدث المحقق قائلا: ما رأيك؟ المحقق: شخص ما دس شرائح مسممة من لحم سمكة القراض وسط التجهيزات.
القاضي: هي عملية قتل متعمدة إذا، هل تعتقد أن الوزير هو المستهدف؟
المحقق: ربما، وربما كان مجلس إدارة المجموعة.
طلب القاضي دخول حازم مرة أخرى ثم قال له: أريدك أن تخبرني بكل ما حدث قبل وأثناء إعدادك لهذه الاحتفالية.
عرض حازم جميع الخطوات التي قام بها، وقد وضح من حديثه أن كل المراحل كانت خاضعة للتدقيق، حتى الطاهي الياباني كانت أدواته وأسماكه خاضعة للرقابة.
صمت القاضي قليلا ثم قال: هل تحب الصيد؟
ابتسم حازم: لست محترفا ولكني أمارسه كهواية منذ الصغر.
القاضي: وهل تنظم رحلات صيد مع أصدقائك؟ حازم: لست أنا من ينظمها، فلدينا في الشركة مهندس عاشق للصيد وأهله يعملون به.
القاضي: وما علاقتك به؟
حازم: علاقة جيدة وعادية.
القاضي: هل هو موجود هنا؟
حازم: نعم، لقد حضر رغم أنه لم يكن مدعوا.
القاضي: ولماذا لم تدعوه؟
حازم: الدعوة كانت لرؤساء القطاعات وبعض كبار الموظفين وعاملين يتم اختيارهم من رؤساء الأقسام، وهو لم يكن بينهم.
القاضي: ولماذا حضر إذا؟
حازم: سألته فقال لي أنه أحب أن يكون موجودا للقاء العضو المنتدب، ولو طلبوا منه الرحيل كان سيرحل، ولكني لم أشأ أن أكسر بخاطره فسمحت له بدخول الحفل.
القاضي: وهل لك أي ملاحظات على سلوكه، هل هو غاضب أو عنيف مثلا.
حازم مبتسما: ليس هناك أهدأ أو أجمل روحا من المهندس راضي في الشركة.
استدعى المحقق المهندس راضي، رجل خمسيني ممتلئ قليلا بشوش هادئ الملامح.
دخل مبتسما وحيى الحضور، عرف بنفسه بعد طلب القاضي الذي سأله عن سبب حضوره بدون دعوة.
راضي: لا يمكن أن أفرض نفسي على أحد، لقد جاءتني دعوة على العشاء من السيد العضو المنتدب شفاه الله.
القاضي: ولماذا يدعوك؟
راضي: الجميع يعلم أنه كان زميل دراسة في الجامعة، ولكنه كان مجتهدا أكثر مني فتفوق في الدراسة وفي العمل.
القاضي: ولهذا تحمل ضده مشاعر كراهية وحقد.
راضي: يا سيدي أنا لا أحقد على أحد ولا أهتم بأحد أساسا، حياتي كلها بين العمل والصيد.
القاضي: هل كانت دعوة مباشرة أم مطبوعة.
راضي: لا هذه ولا تلك، لقد اتصل بي مدير مكتبه لأحضر له طلبا خاصا وأحضر الحفل.
القاضي: وما هو ذلك الطلب؟
راضي: اسمحلي ياسيدي، فقد أخذ علي تعهدا ألا أخبر أحدا. القاضي: اسمع يا سيد راضي، قد أتهمك بالتسبب في كل ما حدث لو لم تخبرني كل شيء.
راضي : أرجو ألا يضر ذلك أحدا، لقد طلب مني إحضار أسماك قراض طازجة وأجهزها إلى شرائح لكي يستخدمها الطاهي الياباني بطريقته لأن العضو المنتدب يحبها جدا.
القاضي: وهل كان يحبها فعلا؟
راضي: بالفعل كان يحبها منذ أيام الدراسة، وكنا نخرج في رحلات صيد خصيصا لها، طعمها يشبه طعم الأرانب، وقد كنت أستخدم الطريقة الفرعونية في تجهيزها لأن لها فوائد صحية عظيمة.
القاضي: وما هي الطريقة الفرعونية هذه؟
راضي: كان قدماء المصريين ينقعونها فى الخل والملح والليمون ويتم تناولها نيئة ومالحة بعد يوم من نقعها، وقد استخدمها قدماء المصريون كدواء مثل المضاد الحيوى شديد الفاعلية للقضاء على البكتريا والفطريات شديدة الخطورة، وكانوا يتناولونها عند الإصابة بالبرد والإسهال وضيق التنفس ومرض السكر ومعظم الأمراض المؤلمة والفيروسية والمزمنة والبكتيرية وغير ذلك، وعبر تناول القراض المملح تمكن المصريون القدماء من القضاء على فيروسات الربو وجراثيم الجذام والبهاق وكل الفيروسات والجراثيم السامة التى فتكت بسكان البلدان الأخرى، وقد وجدت برديات فرعونية من نحو مائتى عام تشرح بالتفصيل إعداد دواء لما يقرب من ستمائة مرض من سمك القراض المخلل.

القاضي: ولكن أليست سمكة خطيرة جدا ومُجَرَّم صيدها وبيعها؟ راضي: بيعها نعم، لكن صيدها لمن يعرف كيفيته ويعرف قيمتها الصحية هواية رائعة.
القاضي: وماذا حدث؟
راضي: قمت باصطيادها منذ يومين ثم ذهبت إلى منزل مدير المكتب حسب طلبه بالأمس لتجهيز السمك، أخبرني أن العضو المنتدب يريدها شرائح كالتي تستخدم للسوشي ففعلت مايريد رغم تعجبي لأنها المرة الأولى التي يغير فيها طريقة طهي السمكة.
القاضي: وأين ألقيت أجزاء السمكة السامة؟
راضي: في العادة أحرقها كي لا تسبب الضرر لإنسان أو حيوان، لكنه طلب مني ألا أشغل بالي بها فتركتها بعد أن أمنتها.
طلب القاضي من المحقق التحفظ عليه في الخارج، ثم أمر بإرسال قوة لتفتيش شقة مدير المكتب الذي أمر بضبطه وإحضاره فورا.
كان شريف مدير المكتب موجودا في الحفل لكنه خرج مع الحالات المصابة بالتسمم، اتصل المحقق بالضابط المتابع لحالات المستشفى للتحفظ عليه، بعد قليل اتصل به ضابط المستشفى وأخبره أنه تم القبض عليه أثناء محاولته الهرب بعد أن اكتشف الأطباء أنه كان يتصنع المرض.
طلب منه المحقق سرعة إعادته إلى مسرح الجريمة ليستكمل القاضي تحقيقاته.
كانت الضغوط تتزايد على فريق التحقيق بسبب موت الوزير.
استكملوا سلسلة الاستجوابات، أثناء ذلك اتصل المسئول عن فريق معاينة شقة شريف وأخبر المحقق أنهم وجدوا قططا ميتة حول صندوق القمامة القريب من الشقة فتم التحفظ عليها، ووجدوا داخل المُجَمِّد لحوم أسماك مغلفة جيدا وموضوعة داخل علب محكمة الغلق فتم التحفظ عليها وإرسالها للتحليل.
وصل حينها شريف، شاب في بداية الأربعينات، أنيق، لكنه يبدو مرتبكا متوترا.
القاضي: أنت متهم بقتل أربعة والشروع في قتل أكثر من عشرين آخرين.
شريف منهارا: أنا لم أفعل شيئا، لقد كنت أنفذ الأوامر.
القاضي: أوامر من؟
شريف: العضو المنتدب.
القاضي: أنت كاذب، لقد تم فحص بقايا السمك الذي أحضره لك راضي وألقيته أنت في القمامة ولم نجد الكبد، من المعروف أن الكبد هو أكبر مخزن للسم في جسم السمكة.
ومن الواضح أنك صفيته على اللحم الذي استخلصه لك راضي، هل هي مؤامرة أم عمل فردي للتخلص من رئيسك في العمل؟
كان المحقق قد انتهى من مشاهدة ما سجلته الكاميرات منذ انقطاع الكهرباء وحتى حدوث التسمم، شخص ما تحرك بخفة لا تبدو ملامحه واضحة، قام بتغيير الطبق الرئيسي على مائدة الوزير، كما قام بوضع طبق آخر أمام الطاهي الياباني في أقل من عشرة دقائق.
دخل إلى القاضي وأخبره همسا بذلك.
ثم قام بالهجوم على شريف وتفتيشه ليستخرح من الجيب الداخلي للجاكيت نظارة شمس متوسطة الحجم، قام بإغلاق النور ونظر بها ثم أعطاها للقاضي الذي حدث شرف بعد عودة النور قائلا: نظارة رؤية ليلية . ستتحدث أم ستحمل القضية وحدك.
انهار شريف قائلا: سأقول كل شيء، هناك مصالح كبرى بين الوزير والعضو المنتدب، في نفس الوقت هناك رغبة في إبعاد الوزير القوي عن منصبه، ولهذا عرضوا عليَّ منصب العضو المنتدب في مقابل التخلص منهما معا.
القاضي: من الذي تتحدث عنهم؟
انهار شريف باكيا ثم قام يقبل يد القاضي قائلا:أرجوك، سيقتلوني أنا وعائلتي، لا تجبرني على قول شيء آخر.
انقطعت الكهرباء مرة أخرى.
تلمس المحقق طريقه لخارج الغرفه. عادت الكهرباء بعد قليل، كان شريف مذبوحا من الأذن إلى الأذن والقاضي غائب عن الوعي بفعل ضربة قوية على رأسه.
بعد أن احترقت شقة شريف بفعل ماس كهربائي تم اتهامه بجرائم القتل المتعددة وإغلاق القضية.

السابق
انشِطار
التالي
سجن الحرية

اترك تعليقاً

*