القصة القصيرة

دعوني هنا؛لا أريد عالمكم…

في أسرة برزخية ، بعضها مجنون ، والبعض الآخر فائق الذكاء ،كانت ولادتي ..لا أعرف شيئا عن ولادتي الثانية ،لأني لم أكن حاضرا في تلك اللحظة بالذات ،كنت قبلها بدقائق معدودة ، منهمكا في مداعبة أمي وركلها كما تعودت منذ شهور عدة …كل ما أعرفه أني ظللت سنين منشطرا إلى نصفين بين الصلب والترائب ،نصفي الأول كان يحتفظ به والدي،وكم كان يروقني أن أدغدغه في أي مكان منه إلى حد الجنون إلى درجة أنه كان يبحث عن أية طريقة وفي أي مكان ليقذفني فيه قذفا كما فعل ببعض إخوتي وأخواتي هنا وهناك ،بالليل أوالنهار ،ولكنه يتراجع في الدقيقة الأخيرة ليحتفظ بي إلى أجل مسمى ،أما نصفي الثاني فكان في مكان ما من صدر أمي ،قريبا من قلبها ،كنت أسمع بأذني اليمنى نبضات قلبها ، ولا سيما في ريعان شبابها أو حين تكون في جلسة حميمية مع أبي الذي كانت أذني اليسرى تسمع، إلى حد الخوف في بعض الأحيان، زفيره وشهيقه وصوته وكأنه سيزيف الذي حكمت عليه الآلهة بأن يدحرج بلا انقطاع إلى قمة الجبل صخرة تعود لتهوي إلى الأسفل بسبب ثقلها…

ولما اجتمع نصفاي في مكان آخر من أمي ،أصبحت أسمع بآذني معا اليمنى واليسرى ،ولم أكن في حاجة إلى باقي أعضائي الأخرى ،فحاسة سمعي كانت تكفيني ،أن أحيى كما أريد ، وأن أفعل ماأريد ،وأن اسمع ما أريد ولمن أريد ..ليست هناك أوامر من فوق ،بل حتى أني كنت أسمع أبي في وقت من الأوقات يتودد لأمي عن طريقي حينما يضع أذنه على عالمي المشيد من احلامي ،أنا وحدي،ويريد أن يتنصت علي فأسكت ولا أتحرك حتى أغيضه بعض الشيء …

و لعل أكثر الأوقات متعة حينما كانت تكلمني أمي ونحن في الطريق نتمشى هي على قدميها وأنا أقطع المسافة سباحة ،لقد كنت سباحاماهرا وما زلت على الرغم من أن الماء غيرالماء. كان الناس ، في خضم جمع الشتات الأول ،شتاتي أنا ، يظنون أن أمي مجنونة حينما تتحدث معي وهي تضع أنامها على الستار الناعم الذي يفصلني عن عالم الشهادة،كانوا يظنون أنها تحدث نفسها … وكأن حديث المرء لنفسه مس من الجن…أليس الإنسان حيا وفي داخله أحياء ؟ أليس من حق هؤلاء الأحياء الحديث والكلام فيما يخصهم ويخص مصيرهم ومصير حاملهم؟أليس من حق الحي الكامل أن يتحدث مع أنصاف الأحياء فيما يشغله ويصادفه ويعاني منه في حياته اليومية ؟

كنت أنا الوحيد الذي أبى أن يُفَرغَ خارج الرباط المقدس ،كثير من إخوتي وأخواتي بأنصافهم النصفية وأدهم أبي في أماكن مجهولة لا يعلمها إلا الله و والدي …وحينما فتحت عيني ورأيت ملامح من كنت في صلبهما وترائبهما ،ومن كنت معهم في الصلب والترائب ،وسبقوني إلى عالم الشهادة،لم أستطع التأقلم معهم ،فقد تغيروا كثيرا ،فلا جنون البعض استهواني ،ولا ذكاء البعض قبلني،فقررت ان أكون غبيا ،وأن أعيش حياتي بطقوسي أنا ، بغبائي أنا ،وألا ألعب إلا بلعبي التي لا تشبه لعب إخواني وأخواتي ،حتى الملابس كنت أفضل قمصان المجانين وسراويل الأذكياء…حتى السيارات كنت أغير من ملامحها بل و أعدل شكلها من خلال تغيير قطاعات غيارها لتبدو غريبة كغرابتي بين أفراد أسرتي…

لم أشبه أمي في ملامحها ،ولم آخذ شيئا من أبي ،وإن كنت أعلم علم اليقين بأني منهما معا،لأني عشت قصة حبهما ،كإخوتي وأخواتي ، وعشت لحظة التحامهما للمرة الأخيرة، وحدي ،وإن كنت أكثرهم علما بها على اعتبار أني آخر العنقود إلى غاية ولادتي…فمعرفتي بهما وبقصتهما أطول وأكبر ب266 يوما …

كثيرا ما كنت أسمع أمي تتحدث عن عالمها حينما كنت في عالمي ،بحسرة شديدة وبحزن فظيع إلى درجة البكاء مما يجعل بعض دموعها تتسلل إلى ملكي فتعكر صفو مائي ،فلا أجد مناصا من ركلها لتسكت ،فألمها يؤلمني ،وحديثها عن عالمها يعكر صفو عالمي…ما علاقتي أنا بالحوادث المؤلمة والكوارث الطبيعية المخربة ؟ما صلتي أنا بأسلحة الدمار الشاملة ،واقتتال المسلمين فيما بينهم بأسلحة أعدائهم ؟ما علاقتي أنا بمنطقة الأوزون ومشاكل التلوث التي ترددها أمي وصديقاتها كلما اجتمعن في مكان من الأمكنة المعتادة؟ما صلتي بالشرق الأوسط ومحاولة تقسيمه أو اتحاد المغرب العربي ومحاولة تفتيته ؟علما أن الشرق الأوسط أصبح غربا أوسطيا منذ إصابته بفيروس النفط العربي والغطرسة الإسرائيلية؟ ماذا يربطني أنا بتفجير المساجد والكنائس ودور العلم باسم الجهاد ؟ ما صلتي أنا بأخطر المجرمين والمجرمات والمختفين والمختفيات والراشي والمرتشي الذين تملأ أخبارهم الصحف والجرائد والقنوات الفضائية العربية؟

نعم كنت أركلها بقوة حتى تسكت وتنتبه إلي وحدي ،وأن تجعل عالمي هو عالمها ،وتترك عالمها لمن يهمه الأمر لإصلاح ما فسد فيه ،فلا يمكن لمن يحمل عالما على عالمه أن يحل مشاكل عالم آخر…

تعدد المسؤليات لا يفيد في شيء…كما أن تعدد الحقائب يثقل كاهل من تحملها فيضطر إلى تركها في أماكنها وألا يفتحتها أبدا حتى تنتهي ولايته…

نعم كنت أركلها بقوة حينما كانت تتحدث مع صديقاتها عن السلطان وحريمه ،وعن مهند وعلاقاته المشبوهة ، عن متعة الأول ونزواته الجنسية ،ووسامة الثاني وغزواته العاطفية ، كنت أحس وأنا أشد بحبلها السري داخل مشيمتي وأجره بقوة ،أنها تخون أبي قولا ،وأن أبي لا يبدو لها رجلا كالسلطان العثماني ،ولا وسيما كمهند التركي ،حتى أنها عقدتني من رؤية أبي ،كنت أقول في قرارة نفسي وأنا في قرارها المكين ،بأن أبي قبيح المظهر ،غولي الملامح…

حين فتحت عيني أكثر تعرفت على عالم أبي وأمي ، وقريتي الصغيرة الممتدة عبر البسيطة ،وددت لو عدت إلى عالمي الأصلي ،ليس في شكلي الكامل الذي أنا عليه اليوم ،ولكن وددت لو عدت إلى الصلب والترائب…أو على الأقل إلى داخل ذلك الكيس الذي كنت أسبح فيه ،وأكيد لن أركل أمي أبدا وإن تكلمتْ عن عالمها بكل الوحشية الممكنة وغير الممكنة ، ولن أدغدغ أبي أبدا ولن أثير مشاعره وأحاسيسه ونزواته في حالة الشتات النصفي…

ورؤيتي لهذا العالم ،عالم الشهادة ،جعلتني أخرج بنتيجة اليوم وهي :أن تسمع بالمعيدي خير من تراه …فكيف سيكون الأمر إذا تعلق بمعيدات تعد بالملايين؟ وكل إخوتي وأخواتي في الإنسانية العربية إما مجانين لا يعقلون ما يقولون أو فائقو الذكاء في الاختراع إلى حد الانفجار أو أغبياء يعيشون غرباء بين هؤلاء وأولئك و بينهم ،و لا يملكون حلا أو عقدا..

إجازة في اللغة العربية وآدابها ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الدار البيضاء.
أستاذ

السابق
الكاميرا الخفية
التالي
براءة

اترك تعليقاً

*