القصة القصيرة جدا

دلال

غريب أنا ، بعدما تخطيت الخمسين من عمري أزداد إحتياجا لدروس أبي ، أذكر بالخيرهذا الرجل الطيب الأمي علمني كثيرا من الحكايات ، سقاني الحكمة الهادئة ، نشأت أحب الأساطير ولا أمل سماعها ، حكيه الشيق يأخذني دائما لمكان وزمان الحكاية ، أعيش معه ونستوعب أنا وأخوتي ما يقول .
مشدوه ببلاغته دوما ، كل موقف لديه حكاية ما تناسبه ، كأنما هي مرتبة على الموقف .
مثل كل الأولاد كنت برما بالحياة التي نعيشها ، كان يكره قولي الدائم أن هناك دائما ما هو أفضل ، رغم الإمكانيات البسيطة لنا .
أخذني معه في رحلته الأسبوعية لسوق الأحد ، ركبنا حمارنا العجوز الأبيض ، يمسك مقوده وأنا أمسك في جلبابه حتى لا أسقط ، طال الطريق ولم يكن لديه ما يقوله إلا تلك الحكاية :
كان يا ما كان ، كان هناك أسرة تعبت من إبنها الذي لايحب الطعام ، يرفضه بكل أنواعه الفاخر والشهي ، حاولوا معه بكل السبل ، إزداد إعراضه وعاش على الفتات ، زاد في عنده و أدمن الرفض حتى اعتلت صحته ، شعر أبيه بالخوف عليه ، مرعلى قريتهم شيخ كبير كان يعيش في قرية البخل الشديد ، نصحه الرجل أن يرسله لقريتهم ليتعلم الأكل بلا اعتراض ، راقته الفكرة .
ذهب الولد مع الشيخ ، طال مكثه بينهم لفترة طويلة ، لم يتغير طبعه كثيرا ، شعر أبيه بحنين فذهب ليزوره ، استقبله الولد بلهفة وتبادلا الحديث طويلا ، حان الوقت فتجمع الرجال حول الطعام ، بينما الولد مايزال جالسا مع أبيه في ركن بعيد ، إنهمك الجميع في الطعام ، الرجل وابنه ينظران إليهم .
قام الولد مسرعا وأخذ يد أبيه قائلا : قم يا أبى للطعام بسرعة ، فهؤلاء القوم لايدعون أحدا لطعام أبدا ، للطعام آدابه وميعاده ثابت ، فإذا حضر الوقت حضر الطعام ، من يريد الأكل يقوم مسرعا ، لا أحد ينتظر أحدا ، فلاطعام لمن يتوانى عنه .

السابق
حملةُ تنظيفات
التالي
موائد لا تجوع

اترك تعليقاً

*