الحوارية

دمعةٌ وبسمة

لم تكن طفولتنا عادية؛ على الأقل في المدرسة الابتدائية، كنا نتبارى في تحصيل العلوم؛ كطيور ظمأى في يوم قائظ، وفي التزلف للمدرسين في ذات الوقت، نحمل عنهم الحقائب رغم ثقلها، نسطر كراسات التحضير، نرصد درجات الاختبارات في الكشوف الشهرية، أنا ورامي فرسا رهان، نتناوب المرتبة الأولى والثانية، بعد أحد الاختبارات الصعبة بدا وكأنه سيحوز قصب السبق دوني، تملكتني الغيرة وهو يترنم ببيت أبي العلاء المعري ويغمزني: تعبٌ كلها الحياة…، كان بحوزتي عصفور من الشرق للحكيم، أخفيها كأنها عورة بين دفتي كتاب القراءة، أختلس كاللص بضعة أسطر بين الفينة والفينة، أحاذر أن تراها المعلمة فتبطش بي؛ أو على الأقل تغير نظرتها إلىَّ، كان رامي من علية القوم من دوننا، ربما أتى مدرستنا الشعبية بطريق الخطأ، والده مستشار كبير، كتبه مجلدة، كراساته منظمة، ملابسه أنيقه، العطر ينبؤك أنه مر من هنا، لامجال للمقارنة بينه وبين الحرافيش أمثالنا: فقد كنا نقتات على طعامه الشهي وحلواه الغالية وبعض مصروفه اليومي الهائل، ذات ظهيرة رجعنا من الفسحة؛ لنجد المعلمة مكفهرة الوجه، تكاد تميز من الغيظ، وهي تشير إلى بيت المعري، منقوشًا على السبورة وتصيح بغضب: من كتب هذا الهراء؟ لا زلت أتألم من نظرة العتاب؛ التي صوبها إليَّ رامي بعد أن وشيتُ به، وأبتسم لحقد المعلمة الطافح وهي تضربه وتنوح: إذا كان مثلك يقول هذا فماذا يقول أمثالنا؟ ثم تلتفت إليَّ فجأة فتحنقها بسمتي وتأبى إلا أن يسيل دمعي معه.

السابق
رؤية
التالي
إخفاق

اترك تعليقاً

*