القصة القصيرة

ديمقراطية الحمار

رفسه رفسة كادت أن تودي به إلى القبر، ولكنه ترفّق بآخرها حتى يتركه حيا يتجرّع مرار الهزيمة والذل، ويصبح عبرة لمن تسوّل له نفسه ويتجرأ ويأخذ منصب رئيس الحيوانات.. لم يكن الأسد موجودا، ولكنه فضل أن ينسحب انسحاب العاجز غير القادر، إنه يعلم ما يدور ويتوعّد للبين أنه سوف يعود ويدخلهم كلهم الجحور كما سابق عهده..
حكم الحمار مملكة الحيوانات، بعد أن ركل، وسجن، وعض كل من خاف منهم على مستقبله المنشود في المملكة .
وذات صباح عندما كان يتريّض ماشيا على النجيل الأخضر بين الأشجار العالية حيث تقف الطيور المفترسة القوية على الأشجار العالية بعيونها الصقرية تحرسه، ووقفت العصافير والبلابل والكِرَوان للتحية الصباحية بغنائها الطرب، كعادة استطابت لذوق الحمار عندما تولى الحكم؛ أراد أن يستيقظ على أعزب الأصوات .
فكره هذا الصباح متقدا بعد أن استراح قلبه من الغوغاء، والتنافس، والتناحر على الكرسي حتى انفرد وتسيّد ..
كيف يبني دستورا لهذه الأمة في ظاهره الحريّة، وفي باطنه الأثْر الأبدي ؟
قطع تفكيره القرد بحلّته الجديدة الملائمة لمنصبه الجديد -خادم البلاط الملكي- وهو يقدم له صنية البرسيم الفضية عليها قليل من البرسيم المنسق والمزخرف على يد أمهر الطهاه وبعض الفاكهة، وهو ينحني على أقصى درجة انحناء لتحية الملك المستغرق في التفكير حتى يومئ له بلا مبلاه، ليعود منتصبا مرة أخرى، ولا ينسى القرد حركاته البهلوانية الراقصة وهو يحيّه تحية الصباح مداعبا إيّاه :
ـ سيادتك ما شاء الله عيني عليك باردة .. كأنك ولدت لتكون ملكا على هؤلاء الرعاع .. من غيرك أولى أن يحكم هذا العالم الحيواني بعد أن تجرأت على الأسد الذي يزعم أنه ملك الغابة، وواجهته وأظهرت عجزه للجميع .. أنت يا مولاي تستحقها إلى الأبد .
صاح الحمار بصوته الجاهوري :
ـ إلى الأبد !.. إلى الأبد ! اجلس ها هنا مكانك وإياك وأن تتحرك حتى تعد لي دستورا يحقق لي هذا.. منسقا، مبروزا، مزخرفا.
وهو ينظر إليه الحمار قائلا في نفسه: “من غيرك أيها اللئيم الداهية يقدر على توليف هذا”.
بهت القرد وارتعشت أواصره، وتلعثمت الحروف بين فكيه وهو يحاور نفسه: “يا مصيبتي السوداء، كيف لي من مخرج وابن الحمار هذا يريد أن يستأثر بالحكم حتى آخر رعيل في دلمه ؟
كيف له أن ينسى أنه حمار بن حمار ؟ عجبا !” ..
ـ سيدي أن الأمر سهلا يسيرا في حضور النخبة ولجنة مهمة على أعلى مستوى تعد لنا هذا” .
قال الحمار في لهجة نهيقية :
ـ لنا؟ !.
تدارج القرد في سرعة :
ـ أقصد لسيادتك والنون الجامعة عائدة على النعيم الذي ستحظى به كل الحيوانات في الغابة بالطبع .. بمجهودكم وتفانيكم في توفير الحريّة، والكفالة الإجتماعية، والعيش الرغد.
ـ نعم .. نعم.
قال القرد بلهجة الأمان :
ـ ما رأي سيادتكم في هذا الإقتراح ؟.
لاك الحمار آخر عودين من البرسيم وحرك فكيه الكبيرين يمينا وشمالا تشدقا للفكرة :
ـ اقتراح وجيه .
وأردف القرد :
ـ وأري أن يكون على رأس هذه اللجنة الثعلب .. إنه حاذق ماهر لمثل هذه الأمور، ونفرد له ذيله بأن نجعله رئيسا لهذه اللجنة، ونقرض له عددا وفيرا من البط والدجاج .
شنفر الحمار وهز رأسه بالإجاب، ووثب القرد من أمامه دون إستئذان يتلوّى راقصا فرحا بالفرار.
وقف الثعلب بحلّته الأنيقة ونظارته الوسيمة يخطب في الجمع الثائر على جزع شجرة كبيرة مبتورة :
ـ إن مولانا الملك أراد أن يحقق الرفاهية والرخاء لكل جموع الحيوانات في سواسية لا فرق بين سحلية وزرافة، وضفدع وفيل.. يا لعجب للرحمة والفكر الثاقب ..
صرخ وهو يلوّح بأوراق في يديه :
ـ لقد أشرف بنفسه على هذا الدستور، وأعد أجزاءا كبيرة منه تخص الفقراء والمحتاجين، وأجبر فيه الأثرياء على دعم الفقراء للدولة مشروطة بتفهم ورحمة ووعي منكم ؛ أن نجعل السيادة للدولة، وهبة الدولة متمثلة في القائمين على الحكم، ولمَ لا ؟
أتودون أن تقول عليكم بقية المخلوقات من حولنا أننا متخلفون همجيون ؟ وأن معشر الحيوانات ليس في قلوبهم رحمة، ولا يقدرون النظم العالمية في احترام دساتيرها، ونظام الدولة القائم السائد ؟ ..
أتريدون أن يقولوا علينا أننا بدوٌ عشوائيون ؟ حاشى لله لن يحدث أبدا .. إننا ليس أقل من سائر المخلوفات الذين يدعون الحضارة .
هدأ الجمع الثائر وغمغم، وضحك الحمار وهز رأسه منتشيا من خلال الشرفة المطلة. وعاد يصرخ في ثورية :
ـ إن شعار هذا الدستور لا ظلم بعد اليوم .. لا ظلم بعد اليوم .
وهلل الجمع وصار نحو القصر يردد : “لا ظلم بعد اليوم .. لا ظلم بعد اليوم .. عاش مولانا الملك محررنا من الاستعباد .. عاش مولانا الملك محرر…..”
في الليل اختلى الحمار بنفسه في ساحة خالية من الحيوانات والحراس مختبئا بين الأشجار، وأخذ يرقص وينهق نهيقا عاليا أشبه بالزئير .
في الصباح كان الثعلب في صحبة صديقه القرد ينهيان باقي المؤامرة حيث قال القرد للثعلب:
ـ إنه خلق حمار بن حمار لا يستطيع أن يدرك ما حبكناه .. نستطيع في أي لحظة أن نرميه في سلة المهملات بمساعدة الجموع الجائعة الثائرة .. قال حكم أبدي قال.. إلهي يأتيك شحار أبدي ماتخلص منه أبدا يا بعيد.
قال الثعلب في ابتسامة خبث :
ـ ولكننا سنظل خادمين له يا أحمق .. يأمر فيطاع، وعلينا الطاعة وإلا طاح بنا وملأ القصر بإخوانه الحمير.
في تكشيرة قلبت معالم القرد:
ـ من قال هذا ؟ إنه يعلم أنهم حمير لا يفقهون شيئا غير النهيق، ثم أنت بروح أمك كنت تحلم أن تكون ملكا على الغابة، وأنت طول عمرك مغيّبا في الصحراء مشردا، لا تظهر أمام عامة الحيوانات إلا وحربوك وطردوك .. الآن البوسة على يدك بمقدار رطل، والكل ينول ودك، وتسير في عين الظهر محفوفا بالحراس من مختلف الحيوانات، ولك أنت وعشيرتك كل دجاج البلد وبطها وخرافها وهلمّ جرّ، وإن وقعت عيناك على غزالة أومأت لحراسك بطرفة عين كانت لك في محفل.
بينما قال الثعلب بعد جذب نفس شهيق عميق:
ـ أتقول عني هذا ؟ وأنت الذي تنعم في الخير حتى امتلأ كرشك وصرت في وزن الفيل، أنا يطلبون ودي رعاع الحيوانات، وأنت كل الوزراء ورئيسهم وكل مناصب الدول تنول رضاك كي ترضى.
عوج القرد شفتيه:
ـ نعم .. لا أنكر هذا، أليس أنا ولي نعمتكم ؟ موزع الهبة عليكم ؟ أبدوني كنتم وصلتم لما أنتم فيه ؟ أنا منصّبكم.
والحمار في جلسة حساب عسير مع عشيرته الحمير، يجلس متصببَ العرق، حيث ضيّقوا الخناق عليه، وأشعروه بحمريته أمام الجموع بكثرة طلباتهم غير المتعقلة، والخالية من الرشد، واجراءاتهم في حلّ المشاكل الجوهرية للمملكة حلول طفولية مراهقة، تتسم بالبطش وأحيانا اللا مبالاة، وأصبح بين خيارين كسابقيه .. يضحي بمن ؟ بعشيرته ويرميهم جميعا في السجون لينال رضا جميع الحيوانات، ويكشر عن أنيابه ليخاف السايب ؟ أم ينصاع لهم ليحموه في المستقبل عندما تخبط مركب الحكم في صخر عاتٍ متجبر لا ينجو منه إلا بالموت أو الفرار ؟.
أخيرا أخذ يفكر ويتعلم من سابقيه، وأخذ القرار وهو يردد:
“الديمقراطية أن تكون ديكتاتوريا أولا .. أن تَقتل قبل أن تُقتل” .
في الليل عزل القرد والثعلب، ومزّق الدستور، وبنى مدينة شبه منعزلة بأسوار عالية لعشيرته الحمير، وجلد الشعب بلسان حلو رنان .

السابق
فرزٌ
التالي
فتنة

اترك تعليقاً

*