القصة القصيرة جدا

ذاك الحنين

دلفت إلى الصيدلية على عجالة؛ توجه إليها الصيدلى الشاب سائلاً عن طلبها بإيماءة من رأسه، فأجابت بإنجليزية لبقة محددةً له إسم عقار الإنسلين الذى تستخدمه والدتها.
غاب الصيدلى لدقيقتين، و عاد بقلم الإنسلين. أمسكته بعناية و وضعته داخل جراب عادي ليحفظه قدر المُستطاع من حرارة الجو غير المعهودة فى هذا الشتاء، ثم طلبت منه إبراً للحقن. إختفى مجدداً داخل مخزن الصيدلية بينما باغتتها شابة بربتة حانية على كتفها، فإستدارات؛ عاجلتها الشابة بإبتسامة طيبة و هى تمد يدها بصغير قد غاص فى حُلة خاصة من الفرو الأصفر، و بادرتها و هى تعطيه لها لتحمله:
– “ممكن؟!”
حاولت الإعتذار بلطف، فهى متوترة بطبيعة الحال؛ شأن كل مرة تبتاع فيها الإنسلين فى طقس حار، و يشغلها هم المسافة الكبيرة التى عليها أن تقطعها من الصيدلية إلى منزلها الكائن على مسافة بضعة كيلو مترات، فضلاً عن أنها ظنت فى بادىء الأمر أن تلك الشابة ستترك الطفل معها و تغادر الصيدلية لتحضر نقوداً أو شيئاً قد نسيته ــــــ
– “آسفة .. سأغادر على الفور بمجرد أن أحاسب على الدواء، و لا يمكننى الإنتظار لأن معى ــــــ”.
أوضحت لها الشابة بهدوء:
– “دقيقة واحدة حتى أعتلى الميزان لأقيس وزنى فقط!”
أدركت الآن أن الأمر لن يستغرق دقيقة كاملة، فردت بإبتسامة مُرَحِبة، و فردت زراعيها تستقبل الصغير قبل أن تلتف يدها حول ظهره و قدميه بعنايه، و تسنده بكتفها سندة إحترافية.
إعتدل الصغير و نظر فى وجهها و لم يصرخ أو يتذمر ..
إبتسمت و هى تداعبه مستمتعة بيده الصغيرة التى تعبث بحجابها و وجهها ..
أعادها ذلك لأيام بعيدة خلت .. حين كانت طفلة فى الخامسة، و السابعة، و العاشرة .. كانت تؤتمن على أطفال مثله – تحولوا إلى كلاب ضالة فيما بعد – و لم يحدث مره أن إرتكبت خطأً، أو آذت طفلاً أو أسقطته أرضاً رغم سنوات عمرها القليلة. و الأغرب، أن طفلاً لم يبكى قط أو يشتاق لأمه بين ذراعيها، بل أن بعضهم كان يترك أمه و يميل عليها متى لمحها!
غلبها الحنين لهدهدة الأطفال، و الذوبان فى عالمهم، و مشاركتهم النقاء، و البراءة، و التلقائية.
نسيت ما كان من أمر الإنسلين و الإبر تماماً ..
حتى أفاقت على ربتة أخرى، و إبتسامة تطلب إسترداد الأمانة، فأعادت الطفل لأمه الممتنة لها.
و بقى حنين جارف لأحضان الأطفال و دفء ونسهم.

أستاذ مناهج اللغة الإنجليزية و طرق تدريسها المساعد بكلية التربية، جامعة كفر الشيخ. لها إهتمامات أدبية و صحفية.

السابق
فرصة الحب
التالي
شباك الوَهْمِ

اترك تعليقاً

*