القصة القصيرة جدا

ذنب حي يتكلم

انزوى في مكان قصي يجلس وحيدا، يحتسي كوب قهوة، يرشف منه جرعات من صبرٍ على الذل و الهوان و هجران الخلان. أشعل سجارته الشقراء وكأنه يحرق آخر أوراق التهميش و الضياع يتابع بعينيه النار تسري في تبغها هشيما، ينفث دخانها مشكلا سحابة مسمومة تغشى المكان فتتلاشى معها أحلامه وتتهاوى صروحه. مع كل زفرة يطلق تنهيدة الحسرة والندم وألمٍ على مافرط في ما فات من عمره.
ترمقه من بعيد صبية في أزهى ربيع عمرها وهي تلج المدخل الزجاجي للمقهى وعيناها تمسحان المكان تبحثان عن موضع قدم في فضاء خال من الرواد أو عن جيب سمين أو قلب عليل أو حتى صيد ثمين. تتوقف بالقرب منه تتحسس محفظتها، تفتحها بحركة سريعة ترسم على وجهها علامة الإندهاش وكأن شيئا لها قد ضاع. سيدي ولاعتي ضاعت هل لي بولاعتك؟
كان هذا الطلب مقصا قطع خيوط نسيج تأملاته وهو يسبح في بحر سنواته الخالية، ناولها الولاعة وهو يعلم إنما هذا من ألاعيب أمثالها فلم يبادلها ابتسامتها التي يعرف قطعا ما تخفي ورائها فهو الرجل المجرب قد سئم مثل هاته المناورات. بلا استأذان سحبت كرسيا وأخذت مكانها أمامه كأنها من معارفه، قرأت أفكاره وما يخالج ذاته، فقد صادفت من أمثاله الكثير وقد عج مركز المدينة بهاته الأشكال من الرجال. فهو لن يعدو أن يكون نسخة للشخصية المفضلة لديها، رجل مسالم، هادئ وغارق في مشاكل إجتماعية لا قبل له بها.
قدمت نفسها على أنها سهام، سقطت ضحية مجتمعها الجائر و المختل و ضحية صفاء قلبها ونقائه و سعة صدرها وكذا عذرية أحلامها. لم يكلمها و هو في نفسه يلعن هاته المخلوقة التي عكرت صفو خلوته و دنست محاولة مصالحته مع ذاته. لم تستسلم لتجاهله وجفائه فبدأت تسرد قصتها عليه وهو يمتص سجارته بعنف خال من كل نشوة، فهو يعرف أن هذا ديدانهن في جلب عطف أي زبون محتمل.
هاله ما سمع منها، تسترسل في الحكي و ناصيته مشدودة بكفيه مغمضا عينيه لا يقوى على النظر إلى وجهها المتعب من كثرة السهر، فكلما غاصت في تاريخ صباها و ذكرت محيطها و أهلها وأقاربها كلما أحس بعرق بارد يشكل خطوطا تجري من تحت كتفيه فتتجمع أسفل ظهره كما تجري المياه في انحدار الوادي، لم يكد يصدق ما يدور حوله. فقصتها هو من شخوصها بل هو بطلها المنسي هو التائه الجبان الذي غرر بأم سهام حتى صارت حبلى بها ثم اختفى. وقف مشدوها من هول الصدمة خارت قواه لاتقو رجلاه على حمله… ترك المكان بجبن غير آبه بخطاب سهام معلنا إفلاس روحه. غادر المدينة متوجسا خائفا أن يلتقي سهام أخرى أو أخريات …

السابق
وجوه لا تفرح
التالي
مفارقة

اترك تعليقاً

*