قراءات

رؤية تحليلية لنص “عوالم”

للكاتب المنجي بن خليفة

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

البداية:
في نعومة ونفس طويل بدأ “الكاتب” الدخول إلى البديات “للقصة” لتحديد الشخوص، والزمان والمكان، وبداية إطارية للتأسيس لـ “فكرته” وتماهي الصراع.. مستغلاً في ذل الجمل المقطوعة بعناية بلغة رصينة وصفية بأفعال مضارعة.. بأسلوب (الفلاش باك) مما أعطى للصياغة بعداً حديثاً في نوعية التناول والسرد.. مما جعل المتلقي يرتبط بكتاباته لمعرفة ماذا يريد طرحة…
\\ كلُّ مَنْ يعرفُنِي يصِفُني بأنَّنِي مُسالمٌ، أمْشِي بهدوءٍ، أتَكلَّمُ بهدوءٍ، أأكُلُ بهدوءٍ…
ثم يكمل “الكاتب” رسم الخطوط والعناصر السابق ذكرها بنفس التكثيف والأختزال الذي أخذه منهاجاً منذ الوهلة الأولي.. معتقداً أن في عالم الـ (ق. ق. ج)…

\\ الظلمُ في الحياةِ يُخِيفُني، يخنُقُنِي، يُثيرُ عاصِفَةَ غبارٍ في روحِي \\
\\ أفُرُّ إليَّ، أنْزَوِي في انتظارِ هدوء العاصفةِ \\
\\ بعد الهدوءِ أتفقَّدُ داخِلِي \\ أجدُ أشياءً تكسَّرَتْ \\ أشياءً تَزَحْزَحَتْ \\ أشياءً شَوّهَهَا الغُبارُ \\
\\ أنظِّفُ المكانَ بدموعٍ خبّأتْها العيونُ، فَهْيَ أغْلَى ما لدَّيَّ \\
\\ كثرتْ العواصِفُ ، وماءُ العينِ جفَّ \\
\\ قرَّرْتُ الهروبَ إلى عوالمٍ جديدةٍ \\

نلحظ “الكاتب” الشخوص، الزمكان، وحدد الصراع، وهو الصراع الداخلي للنفس الذي ينسحب عند النقاد المتخصيصين إلى شتي القضايا الإنسانية في رمزية الذات والأوطان، وأشياء أخري عديدة، وذلك من خلال مقاطع (جمل) متراكبة وكأنها بنيان مرصوص من لبنات متساوية المقاسات.. تعلو بالبناء الهندسي للقصة نفهم منها بعد ما بين لنا “الكاتب” بنفس (الفلاش باك) محذرا وواصفا طبيعة الوسط التذي تخيره لتدور فيه تفاصيل “القصة” ، ثم عرض مفردات الصراع، والقضية الرئيسة لـ “لفكرة” .
\\ أفُرُّ إليَّ، أنْزَوِي في انتظارِ هدوء العاصفةِ \\.
وهنا نقف عند (أفُرُّ إليَّ) وتناص الخفي في الجملة، انتظر هدوء العاصفة التي تثير تساءلات عديدة عند المتلقي؟.
ـ هل هذا الانتظار عن خنوع؟.
ـ أم أنه انتظار عن حكمة؟.
غير أن “الكاتب” لم يفصح عن هذه الأسئلة؟.
ثم يعرج بنا “الكاتب” إلى إجابات بين بين.. تنحصر على الذات التي قرر عدم الخروج عنها، فضيق مساحة الرؤية أمام المتلقي.. إلا إنه استطاع رسم “الحبكة” بدرجة تشويق جيدة، وأكمل مناطق الصراع، وحدد ملامح الفكرة، وقرار البطل “الهروب” بعدما كثرت العواصف، وجف دمع العين.. لتنتهي (الوسط) للقصة, ثم يستطرد “الكاتب” في تفاصيل الصراع، وتفرعاته التي يتسع له هذا الجنس من الأدب طالما حافظ “الكاتب” على وحدة الموضوع والشخوص…

((في الغابِ حياةٌ طاهِرَةٌ، نقيّةٌ، تعلّمْنا في الصغرِ: ليسَ في الغاباتِ حزنٌ، وبها ألحانٌ شجيَّةٌ .
حملتُ الزادَ، وارتَمَيْتُ بين أحضانِ الأشجارِ الوارِفَةِ، و الممراتِ المُعْشَوْشِبَةِ .
سُمْفُونِيَّة الطيُورِ، والضفادعِ، وحفيفِ الأغصانِ، أضْفَتْ للمكانِ قُدُسِيّةً .
لكنَّ عاصفةً أثارَتْ في الروحِ غُبَارًا، رأيْتُ شِبْلًا يصْطادُ خُشَيْشَا، ولحنُ الكروانِ إنْكَتَمَ بين مخالبِ نسرٍ، رأيت دماءً، و أشلاءً، وبقايَا من هياكلٍ كانتْ بالأمسِ القريبِ لها في الغابِ حياةٌ .
رمَيْتُ ما بقَى من زادٍ،عُدْتُ أبحثُ عن عَالَمِ ليسَ فيه ظلمٌ و دماءٌ.
لم يعدْ لي إلاّ عالمًا لا تراهُ العينُ ولا تلامِسُهُ اليدانِ، عالمٌ في الكونِ يَحْيَ معنا، واختفَى بصِغَرِهِ في كلِّ شيْءٍ .)).
ونلاحظ (الجمل) الثانوية التي عرضت مساحة “القصة” وأضفت عليها من حلاوة البلاغة والبيان، والتركيبات الجمالية \
ـ في الغاب حياة طاهرة \ تعلمنا الحزن، والشجن.
ـ حملتُ الزادَ، وارتَمَيْتُ بين أحضانِ الأشجارِ والممراتِ المُعْشَوْشِبَةِ.
ـ عاصفةً أثارَتْ في الروحِ غُبَارًا.
ـ شِبْلًا يصْطادُ خُشَيْشَا \ لحنُ الكروانِ إنْكَتَمَ بين مخالبِ نسرٍ.
ـ انهمرت الدماءً، بقايَا هياكلٍ كانتْ بالأمسِ القريبِ لها حياةٌ يَحْيَ معنا، واختفَى بصِغَرِهِ في كلِّ شيْءٍ .
ـ رمَيْتُ ما بقَى من زادٍ\ عُدْتُ أبحثُ عن عَالَمِ ليسَ فيه ظلمٌ ولا دماءٌ.
وهذا المقطع الأخير بيت القصيد.. الذي يمثل (الجملة الأساسية) التي يرتفع عليها البناء القصصي، وما قبلها كما قلت (جمل ثانوية).

* ليدخل بنا “الكاتب” في منحنى خط الحل للوصول “للنهاية”…

((اشتريتُ مجهرًا، أخذتُ عيّنات من ترابٍ، ومياهٍ.. رأيتُ عَالَمًا من كائنات تنبُضُ فيه الحياةُ، الكلُّ فيه يتحركُ، نشاطَهم لا يتوقَّفُ، ليس فيهم ظالمٌ أو مستبِدٌ ، ليس فيهم قاتلٌ أو معتدِي ، إنَّهُ عالَمُ سلام و أمان)) .
بالرغم من أن هذا المثطع يعتد أنه يمثل ذروة الصراع في “القصة” إلى أن “الكاتب” استخدمة بأسلوب يغاير نهج السرد الطبيعي، وارتدي المعلق الذي يصف متارة كرة قدم، وغابت المقاطع السابقة.. إلا إننا استطعنا كشف مقصده، وأمنيته للبحث عن عالم يخلو من كل الموبيقات التي تكدر الإنسان ومن ثم الإنسانية.
لنصل مع الكاتب إلى خط النهاية.

((مرِضْتُ قال لي الطبيبُ : تقولُ تحالِيلُكَ، وقَعَ عليك اعتداءٌ من كائنات مجهَرِيّةٍ، خرجتُ و أنا أردِّدُ :اعتداءٌ !! حتى أنتم يا سكّانَ عالم السلامِ، حتى أنتم يا سكّان عالم السلامِ.)).

نلاحظ أن حبكة النهاية مفتعلة من “الكاتب” وأقحم المرض على السرد، والعرض على الطبيب.. كان يكتفي بقول تقول التحليل…
ليدلل على الكائنات كلها تتعارك فيما بينها، والشر كما الخير متواجد في كل الأحياء، وهي سنة الحياة.
خالص تحياتي للكاتب الذي شدنا إلى قصته، وفكرته التس عرضها في أسلوب قشيب.
والله ولى التوفيق.

السابق
فناء
التالي
رعيــة

اترك تعليقاً

*