القصة القصيرة

رائحةُ الأضَاليا

اِبني .. اليوم ليلة الأربعاء يومنا- نحن الإثنان- وقت الكلام والهدْرة.. البيت أظنه فارغا، خرجوا ليتعشوا عند عمك العربي، لا لم أذهب.. رفضت.. كيف أخلف موعد الأربعاء؟.. أعرف أنك تحبه يذكرك بعودة أبيك من السوق محملا بالحلوى والسكاكر.. نعم.. آه أنت تضحك؟ أسمع ضحكتك “الزوينة” من هنا مع الشّخرة الأخيرة المحببة التي تختم بها.. والغمازتين على خديك.. أراهما.. كيف الجو؟.. الجو بارد هنا، لكن ولا قطرة مطر سقطت، عام الجفاف.. الله يلطف. وأظنه هناك أبرد.. -لا.. ليس كذلك، كيف، وأنت قلت لى أنك في مكان تكثر فيه الثلوج.. السترة التي حكتها لك تلبسها، حقا؟ تشعرك بالدفء، لأني حكتها بكل أحاسيسي الحنونة، لقد ساعدتني فيها الضاوية.. جارتنا الحسناء أتذكرها؟ سكتتَ؟.. لا شيء يخفى على أمك..لا تخجل.. تأخرتَ عنها كثيرا ابني فزوجوها رغما عنها.. السترة، لم تغسلها بعد، احتفظت برائحتى عليها.. يا شقي متى ستكف عن شقاوتك؟ إسمع لما تحب أن تغسلها، لا تضعها في تلك التي تقول عنها الماكينة، بيديك.. لا تنس إغسلها بيدك، ولا تعصرها وقبل ذلك ضعها في الثلاجة ساعتين كاملتين حتى لا تتقلص.. كيف عرفت؟ الأذن لا تشيخ بُني، قالتها لي الفاسيّة الخياطة.. حاضر أمّيمْتي.. قلت أميمتي؟.. يااه كم اشتقت لسماعها منك، طالت غيبتك وْليدي! الأوراق.. لم تأخذها بعد؟ كيف ذلك والعجوز التي منحتها شبابك مقابلها، ماذا فعَلت؟.. لا شيء.. لاشيء؟ ولم طردتك الشّيبَة العاصية ، ماذا فعلتَ؟.. إياك أن تكون سرقتها؟ حاشا.. أمي، لقد اكتشفتُ أنها ليست امرأة بل رجل.. رجل، أعوذ بالله، رجل، ولابس حوائج النّْسَا ومزوّق؟ “عنداك” تكون ارتكبت الفاحشة التي لا تُذكَر ؟ -لالا.. لا، لم تفعل؟ الحمد لله.. وأنا ماذا أفعل؟ أنا جالسة في غرفتي، تعرفها، لم يتغير فيها شيء، الدولاب الخشبي الذي اشتراه لي أبوك في العرس، يكاد أن يُتمه العَثّ والبخّوش، أسمع قرضه في الليل، يتساقط كل يوم منه شيء كالدقيق.. والسرير؟ لم أغيرْه، ومازالت نتوءاته تؤلم ظهري وضلوعي، ما بعثته لي استحوذت عليه زوجة أخيك، نعم اصطحبتني إلى ‘وافا كاوش”.. كارش ؟ آه كاش، كوَّشَت عليه، من يده لحقيبتها، اشترت به دمْليجا، نعم جميل، أقر أنه جميل ، كان عندي أمثاله أتتذكّر؟ من ثمنهم دفعت “للحراك” حتى تسافر.. أعجب أخاك في يدها، لم يسألها حتى من أين حصلت عليه.. المسكين، كم يؤلمني حاله المايْل.. صندل في رجلها تمسح به الأرض وتطأ به الأشواك والوسخ، جعلته يأكل “النانُوخة ولسان الحمار”.. لا يشتكي ؟ أبدا.. ولا يقدر على مواجهتها حتى.. لا تنعثها بالخادمة، كانت.. هي الآن سيدة البيت.. وأنا؟ “طالبة فقط السلامة” من لسانها ويدها.. لا، لا تضربني، لستُ أبكي ولدي لقد شرِقت بشربة ماء فحسب.. تطعمني؟ نعم وتلمست الصحن النصف فارغ وقطعة الخبز اليابسة.. إحك لي أنت.. آه العمل ولا شيء غير العمل.. في مطعم؟ يملكه يهودي؟ يهودي، طلياني ويهودي، في الطليان أيضا يهود؟ “ماشي غير في “فَلاسْطين”؟ قلت لي أنك “رايس الطباخة” في مطعم عَرْبي.. غيّرت؟ كان يحْبسكم في القبور ولا ترون الشمس؟.. القبو يا مّْي..! فهمت، في القبْر.. الأوراق.. دائما الأوراق، لأنكم تعملون في النْوَارْ .. النّوّار والورْد تحت الأرض؟ مزياان أنت تحب الزهور!.. فوق السطح ما زالت نبتتك”الضّلاليا”، تزهركل صيف ، لا تضحك ، لم أعرف كيف أنطقها يوما.. شُمّ، كيس لُسيناتها اليابسة معلق بجانبي، أجمعها لك.. رائحتها كرائحتك.. تقول السّواد، كيف في السّواد؟ لا يُضيئون لكم “اللكتْرِسينْتي”.. آه فهمت.. من لا أوراق له أسْود ..”أكحل الراس ” عربي “زَعْما” ..!! وهذا ، هل يترككم تخرجون من القبر؟ في الليل فقط؟.. ولد الزاهية في السجن؟.. خرج بالنهار، يفَتّش عن الشمس وظلّمُوها عليه؟.. يا الله على الزاهية “الزُّغْبيّة المسكينة” سيطير عقلها لما تعرف، لا، لن أقول لها وهل أنا حمقاء، ستصيبني بعين الحسد، ولماذا؟.. لم يجدوا عنده، الأوراق.. الأوراق الأوراق.. دائما الأوراق سيعود..”روفولي”.. سمعت ذلك في جلسة الحمّام البَلدي.. أخوك؟ بالسيارة ؟ عُمري ما ركبت فيها، لا، هي من ذهبت بي، تركتني “للطيّابة”، قالت لها أن تُغسّلني! تغسّلك؟.. الله يحفظك ويطول عمرك.. إيوَا؟.. وذهبت عند الكوافور “لتَتزيّز” وتتحضّر للسهرة..! آه.. ن عم عدت لوحدي، لم أسقط في أية حفرة.. الشارع؟ ما زال كما تركته… لو كان عندي بنات؟.. إيوا يا وليدي “من ليس لديه بنات ما عَرفه أحد باشْ مات”!.. قلتَ “روفولي” طردوه وسيرجع ؟ الله يا وْليدي، أطلُبْ منهم أن يدَعُوه هناك، أو يبعثوه إلى شِي جهنم كَحْلة.. الدرب ارتاح من تعربيده وسكره وكلامه القبيح.. منذ ذهب صرت أنام ولا يوقظني صراخه تحت نافذتي ولا بكاء أمه حين يهْريها بالضرب كبطانة كبش العيد..كانت تدعو عليه أن يأكله الحوت يمكن عافَه.. وتفَله ..المعفُون..! – وأنا ؟.. صابرة ومتصبّرة هنا، انتظر عودتك وحشتك تقتلني.. لا.. لا لن أموت سأنتظرك.. ستعود.. أهههاه. بسيارة “أم عيون كاللوز” طويلة وعريضة وسوداء كسيارة الوزير، وستذهب بي إلى حامّة مولاي يعقوب.. في فاس؟.. أسخّن عظامي.. يا بَركة مولاي يعقوب..”بارد وسخون أمولاي يعقوب”.. يغسل الذنوب ويشفي الحبوب.. آه والقلوب، هل يشفيها؟ ويغسلها وينقّيها؟
صريرمفتاح في الباب يجعلها تنكمش تحت غطائها الرث، تنكفئ وتتداخل في بعضها وتتقلص حتى تصبح غير مرئية، تسمح طقطقة مكبس النور، يغمر الغرفة ضوء جعلها وهَجه تغمض عينيها، وترفع ذراعها الهزيلة إتقاءَ ما تتعرض له.
تنظر إليها المرأة شزرا ..تصرخ في وجهها..
– إن سمعتك تهترفين مرة أخرى وتزعجين راحتي ..أقسم ، أنك ستجدين نفسك تتعفنين في دار العجزة.. هسْسْ.. لا نفْس و لاحَسْ.. يا عجوز النحْس.. إإإخ…
يعم الظلام، ويبقى صفق الباب العنيف يتردد في رأسها طويلا، تخضّل دموعها وسادة تزاحمت عليها رأسيهما وشهدت سعادتها به.. تخرج من تحت الدثار المهترئ تليفونا عبارة عن لعبة أطفال مبعوجة، لَهتْ بها أيدٍ كثيرة، تُشبعه تقبيلا، توشوش فيه وعينها على الباب.. آآه.. يا ولدي ليتك ما ركبت البحر.

السابق
نقد
التالي
خيـــط حنـــــين

اترك تعليقاً

*