القصة القصيرة جدا

ربيع

بلهفة أم أضاعت طفلها و قد خيم ليل الربيع ..سألتني عنه الحاجة وقد قاربت الثمانين.. رحّبتُ بها عند باب الغرفة و أخبرتها أنني لقيته عائدا من المركز الحضري ظهيرة و أنا في طريقي إلى العمل..استعر قلقها من جديد ..لا ألومها لأني خبرت الرجل جيدا..يغيب عن القرية شهرين أو أكثر بداع إقامته بالعاصمة صحبة عائلته الكبيرة..لكنه في حقيقة الأمر كان يكابر هناك بعيدا عن مسقط رأسه؛ حيث عاش مُرّ الحاجة و حرمان الطفولة..لكن ورغم كل شيء هناك ما يثير لوعة الذكرى..ذكريات أخرى يتوسّدها القلب و تُهَدْهِدُ الملائكة..أهدتني طبق كسكس مُتَبّلا بمذاق زيت الزيتون؛ يزدان بحبات فول خضراء جاد بها الموسم..ذاك الطبق زفّته إليها العائلة تبارك لها الوصول..بالمركز الحضري نفسه اعتدت أن أزور صديقي كل جمعة ..طبق كسكس بتشكيلة خضر تتربع عليها حبات الحمص..الطبق يغذق به علينا صديق حميم لصديقي؛ أعرفه منذ سنوات و أُكِنّ له احتراما و محبة ..يحمله على متن سيارته و هو في الطريق إلى العمل..على رصيف المقهى نادل يقترب من الستين أدعوه إلى إصابة حصة من الكسكس..تصيبني منه ابتسامة و شَرَرٌ من عينيه يعلن أنّ كسكسه قد تأخر..هناك بالمنزل نساء و أطفال أدمنوا على الكسكس..كل أهل الزقاق يَحُلُّونَ هناك كل جمعة..الفقراء و بعض الميسورين أصابهم نفس المصاب..لكنه أبدا لا يتأفف ..هو ذا مازال يبتسم ..يستسلم هنا تحت أشعة شمس الربيع على رصيف المقهى ينتظر..قد يأتي أو لا يأتي.
يُخَيِّم سكون قدسي على القرية الوديعة وقد غشتها حلكة الظلام..يقتحم الباب له هَزِيمٌ .. ربما هي لمسة أخرى يَدَّخِرُهَا في رُكْنِ من أركان ذاكرة معارك الصحراء.. يُسْفِرُ الباب عن الشيخ الكبير نشيطا متعبا منتصرا وجلا منتصبا؛ ثملا بما شهدته عيناه من خصب الأرض و كرم السماء .. كل هذا وذاك..تؤنّبُه كما تُؤنِّبُ الأمهات صغارها..يُخفِظُ لها جناح الذل من الرحمة.. تماما كما كان يسلك مع أمّه التي غادرته طفلا غضًّا إلى دار البقاء..حزينا لكنه يعرف تماما ما يفعل..شغب الطفولة و دهاء الحرب..هي الحياة ربما تستدعي منا هذا وذاك..يتسلَّم منها حصته من الكسكس بينما تنقلب إلى أقاربها لتشاركهم متعة السّمر.. يدعوني إلى حصة أخرى من الكسكس.

السابق
قراءة نقدية في نص “ضربة حظ”
التالي
2018

اترك تعليقاً

*