القصة القصيرة

رجل الكيس

قدَّم المحامي اِلتِماس البراءة. كيف يمكن لهذه الجريمة ان تَطال ميِّتا ؟
…كان حيَّا…….
من قصر العدالة مرُّوا به..أدخلوه إلى الغرفة ، أوقفوه أمامهم..هم وراءه يُسندونه ..
رجلُُ يلبس صندوقا وعلى رأسه كيس من الخيش أسود ثُقب عند العينين لكي لا يرى الناس حوله ووراءه ولا يراه أحد..
بدأ رجل الكيس يستعرض الوجوه خلسة ..
و أمام جميع الأسئلة المطروحة، زمجر المحامي:
تبدأ الحكاية..سيدي..
قَدِمَ إليها أبوها زائرا ذات يوم فتبيَّن سُوء حالها ..وما إن سأل شادية عن هزالها حتى ارتمت باكية في أحضانه وألقت على صدره أثقالها .. وراح الأب في حزن يسأل مالها؟ يجفِّف لها الدُّموع ويسكن من روعها ، ولكنها لا تجيب .
– أمارجُُ هائج زوجك يا ابنتي؟
– والله أكذبُ إذا قلتُ أجل..
– أتضجرُ من سالمة زوجة أبيه يا ابنتي؟ !
– إنها تترضاني كما تترضى العجوز حفيدها..
– أيُسيء إليك الشَّيخ أبوه؟..
– لا..
– الزوج يحبك، والشيخ يرعاك، وزوجته تترضاكِ..فمن ذا الذي يُضنيك ؟
– تُسيء إليَّ دنياي يا أبي أنا …..
وانهالت الدُّموع من عينيها وراحت تنسكب غزيرة على صدر الوالد الحزين الذي راح يجففها لها وهو يُربِّتُ عل كتفها متلطِّفا..
اِلْتمعت عيناها واتَّسعت حدقتاهما وجحظت جحوظا مخيفا حتى غدت كعينيْ لبؤة تحترق كبدها .
و عندها سأل القاضي : لماذا قتلها؟ زارها أبوها..؟ أهذا عيبها .. ! ؟
أجاب بصلابة: لم يقتُلْها .. قتلتها غيرتها. وأتمَّ حديثه..
رجعت إلى غيرتها تلك ..سيرتها الاولى التي تفتت قلبها دائما ..
عادت الى خبايا زوجها : دائما تقول زوجي يهيم بزوجة أبيه سالمة عاشقا لها متيَّما هل أصدِّق ؟
وإلى الشَّيخ المنكود ، الدُّنيا أفران من نار وسعير من حوله دون ان يدري..
تعود وتلوك .. واهمة متخيلة طويلا ..تنظر بعين زوجة رائعة مغلوبة على أمرها ..وتشاهد بعين أنثى تريد أن تثأر لشيخ ساذج طيب القلب ..اثنان يريدان لعرضه الطَّاهر ان يتمرَّغ في الأدران ..
تلمح بعين هرَّة حذرة يقظة ..دائمة التَّبصر غير غافلة باللَّيل ولا في النَّهار ..ومن ثمَّ راحت تضيِّق على العاشقيْن المفتونيْن الخناق لم تترك لهما فرصة ، ولا حتَّى لالتقاء النَّظرات .. فإن أقبل عليُّ تفتح له الباب ، تلازمه، تقضي له حاجته حتى يتناول غداءه ويخرج او يتناول عشاءه ويرقد …
عينها على زوجة أبيه في مخدعها او بالخارج فلا تعرف من أين تهبط شادية عليها ..عينها ساهرة لكأن تلك العيون هي المزلاج الذي أغلقت به الغرفة وأحكمت اغلاقها احكاما ..
الشَّاب كان نهرا من المشاعر فياضة كلما امتلأ وانهارت جسوره يتدفَّق ماؤه فتلتقفه في حزم وعزم غير عابئة بالصُّخور .. قد أقامت من نفسها سدَّا منيعا لا تنفذ إليه نقطة ماء واحدة لا من أمامه ولا من خلفه ..
إلى أن ضاق بها الزَّوج ذرعا وراح يسومها من المهانة ما لا تطيق ..
وظل الأمر على تلك الحال ، عاشق برح به العشق وزوجة والد عاشقة يقتلها الوجد …اثنان بالظلمة العاتمة.. الشَّيخ لا يرى شيئا لا يسمع شيئا ..أمَّا شادية بالظلمة .. ترى فيها كلَّ شيء..
إلى أن حدث ذات ليلة ان أقبل زوجها سامي وكانت منشغلة وتصادف أن كانت زوجة الوالد مارقة مدَّت يدها تصافحه في اضطراب .. ضغط على يدها في رفق ..مرَّت كما لا عين رأت..
أخفت وجهها تحت شفيف اللِّحاف ..ومن طرفه كانت تراقب كلَّ شيء ..تقدَّم منها وأدرك واهما غفوتها ..في سبات المتعبين..و…
على أطراف أصابع ساقيه ولج باب بيت نوم أبيه..وأغلق الباب خلفه .
ما ان أحسَّت بتلك الغيرة تنخر قفاها حتى أربدت سحنتها وارتعدت فرائصها ارتعادا مرعبا مخيفا وانقلبت سريعا تنشب أظفارها في الحائط الواقف تتسلَّل كاللِّص ..وما إن أقبلت على الغرفة ودفعت بابها في عنف حتَّى ارتدَّتْ في هلع جزعة مجنونة تدور على أعقابها حاجبة وجهها وعينيها بكلتا يديها وهي تصرخ مدوية تهتك حجاب الصمت والسُّكون …
خرج خلفها زوجها يلفُّ جسده ويقفل ستره خائفا مضطربا وتبعته الخائنة منفوشة الشَّعر ترتعب .
أسرعت شادية إلى باب الدَّار لتفتحه وتخرج منه إلى الطَّريق لتصرخ وتجمع الناس فألفته مغلقا فارتدَّت كالهرَّة المجنونة الى مدارج السَّطح وهي تصرخ ..وصعد الشاب خلفها سريعا ومعه زوجة الأب ليحولا بينها وبين الصُّراخ الجامع للناس والجيران..على السَّطح حاولا أن يكتما أنفاسها كي تقلع عن الصُّراخ الذي يُّخلِّف الفضيحة الكبرى والخزي العظيم ..
وأخذت شادية موجة من الجنون أطبقت عليها من جميع الجوانب سرعان ما تحوَّلت الى نفحة من القوَّة لا تعرف مأتاها كاللبؤة مسعورة تدفع عنها غريمتها في عنف ..وغريمتها تخنقها بعنف ..وتنشب في عنق رجلها الخائن كلَّ أظافرها غائرة قاسية ، وهو يلكمها بعنف الشَّامتين فتسقط عند الأقدام فيركلانها لكن سرعان ما تنهض ناشبة أسنانها فيهما الإثنين ..
وفجأة من السَّطح زلَّت قدم وهوى جسم من الأجسام الثلاثة إلى الأرض..
كان الشَّيخ لحظتها مُقبلا من السُّوق..ارتاع وارتعد وهو يُلقي بصره..ويسأل:
– هي..
وقال الشيخ لاهثا :
– هي من؟ ..
فهمهمت وهي تشقُّ شفتيها وتتمتم :
– هي؟ ..
وصرخ الشَّيخ صرخة مفزعة .. على اثرها فتحت الفتاة عينيها المحمرَّتين وهي في النَّزع الأخير تحتضر ، وراحت تتفرس في وجوه المتحلِّقين بها وتمتمت :
– لا.. إنها زوجة عاقر !
وأغمضت عينيها ..
التمس محاميه الجنون سببا للجريمة.
حقاً! من ذا الذي يتخيَّل بأن الشَّاب يقتل لذلك،لا مبرر غير الجنون، فكرة ترسخت في ذهن القاضي ..
صاح فجأة:
أليس هذا سخرية من العقم…سيدي القاضي ..؟
امتلأت القاعة بهمهمات الموافقة، جميعهم شعروا بأن المحامي قد فاز بقضِّيته، خاصة لم يعارضه المدَّعي العام ولم ينتبه كان في غفلة مع المرأة العاقر .
بعد ذلك…سأل القاضي المتهم سؤاله المعتاد : أيُّها المتَّهم، هل ترغب بإضافة أي شيء إلى دفاعك؟
واقفا تماسك…الميِّتُ..ثانية ..
كان رجلا قصيرا… مازال ذي صوت قوي، واضح و جهوري من عمقه..وتحدَّث بصوت عال وبأسلوب رافض، و لكن بوضوح بحيث يمكن فهمه و استيعابه من أبعد زوايا القاعة الكبيرة.
حضرة القاضي أفضل الموت على ذلك، سأقول كل ما لدي.
لقد قتلت أربعا ..
أبي..
وزوجته سالمة
و تلك المرأة زوجتي
وأنا قاتل ومقتول..
الآن..أصغ إلي ثم أحكم..
هذه الجريمة ارتكبت ضدِّي،لقد كنت أنا الضَّحية، و كانوا هم المذنبين، لقد كنت لا حول لي و لا قوة أبي تزوَّج سالمة صغيرة على غير مقدرةِِ .. وتزوجتُ شادية على مقدرة وفحولة شبقيَّة زائدة..
حضرة القاضي…ضربتها لا أنكر و عندما أمسكتها اندفع الدَّم إلى رأسي، لم أعد أعي ما أفعل، و جعلت أضربها ما استطعت .
يبدو بأنني قتلتها أيضاً، كيف لي أن أعلم ..
عندما رأيتها مسجاة على الأرض قمت بإلقاء اللَّوم على والدي.
تزوَّج صغيرةََ..
هذا كل ما لدي…سيدي القاضي….أحكم علي.
ما جلس السَّجين؟
بعد هذا الاعتراف تم تأجيل القضية للجلسة القادمة… لو كنَّا ضمن تلك الهيئة …ماذا لو تعفَّنت الجثَّةُ ..؟

السابق
صبـاح
التالي
فكرة النص سحابة شاردة في ذهن المبدع

اترك تعليقاً

*