القصة القصيرة

رجل في جلد أنثى

رنّ المنبه رنّات مؤلمة أصابت عصبه الحسّاس، فقفز ناهضاً من سبات ليلة موجعة ، فرك عينيه وهو يتنفس بصعوبة الغريق، كومة من الغيم الأسود اجتاحت سماء ذاكرته، فراح يفتش عن الرؤية الواضحة وسط غبش المكان ، رفع رأسه محاولاً الإعتدال ، شعر بنعومة غريبة دفعته ليتحسّس جسداً بضاً مكان جسده،

فاغمض عينيه على ألم مريب ، لم يجرؤ على لفظ تلك الكلمة التي انفلتت كرصاصة طائشة من عقال الزناد لتضعه وجهاً لوجه أمام ما يحدث له، مرّر أصابعه على وجهه بحذر ودهشة ، تلمّس شيئاً رطباً لزجاً، عضّ على شفتيه اللتين بدتا صغيرتين متناسقتين وهما اللتان كانتا كقطعة مطاط مهترىء ، طالما عبست زوجته في وجهه بسببهما كلما حاول أن يعبر بهما شفتاها، هما اللحظة دقيقتان كهلال رمضاني مكتمل النضوج، مع فم دائري كخاتم أميرة مغولية، أنزل يده جهة صدره الذي بدا منفتحاً متوفزاً تبرز منه ثمرتي الشبق ، أنزلها أكثر في اتجاه الرغبة وهو يتوجّس خيفة نحو منحدر الأماكن المظلمة، تجاوز السرّة ، فشعر ببرودة أرض ملساء، لا منبت لشعرٍ فيها ، بطحاء تغزوها رطوبة الإستواء الماطر الذي لا يعرف متى نزل عليه ، انداحت أصابعه وسط الزليج لتنزلق حيث التوجع اللانهائي ، حاصرته اللزوجة والوجع لينتفض صارخاً رامياً ذاك المنبه اللعين الذي أيقظه ليجد جسده غير الجسد، مزحزحاً لحاف الغطاء من على جسده :
– ما هذا.. ماهذا يا إلهي
قالها وهو في منعطف الذّهول والدّهشة، شادّاً على رأسه، ليصدمه جدار الدّوار الفظيع زارعاً فيه أسئلة مُرّة، كيف يتحوّل فيه كلّ شيء إلى نقيضه حتى مكان الرجولة لم يجده، فقده كما فقد خيط توازنه.
استدار في مكانه ،أراد التأكّد أكثر ممّا يحدث معه ، جاءته فكرة المرآة، لا بدّ أنّها الحلّ الوحيد ليتأكّد من هذا التّحوّل الذي أصابه وهذا المسخ المخجل الذي صار إليه، بحث عن المرآة، رآها في مكانها المعتاد معلقة في باب الخزانة القديمة التي ورثها عن أمّه، دنا منها والخوف ليلٌ يزحف ببرد الهضاب الصقيعي الذي لازال ساكنا مفاصله مند طفولته التّعيسة، ترى هل هذا هو جسده أم جسد أنثى تلبست به ليلا ؟
بدأت الرؤية تتجلّى مع حبّات الضّوء التي عكستها المرآة في عينيه، تراءى له وجه قمري فاتن لم يرَ مثله في حياته ، تراجع مقطباً حاجبيه ، لتقفز في مخيلته صور كلّ النّساء اللواتي عبر أجسادهن في حياته ، بدت صورته بينهن أغرب من الخيال ، فاتنة جداً ، وهو الذي عشق الفتنة حتى العذاب والكره،فهو لازال لم يفهم لماذا يختلط عليه عشق الفتنة وكرهها في الآن ذاته خاصّة حينما يراها تخرج من بيته، تضايقه زوجته كلّما وضعت بعض الأصباغ الخفيفة على وجهها وهي تهمّ بالخروج ، يقلص أوداجه ويقوس عينيه ، يحاول استجماع غضبه في كومة ليخرجها من صدره ثائراً في وجهها ، كثيراً ماكانت تلك الأصباغ التي تثير الفتنة تنمحي من وجه زوجته تاركة مكانها لندوب غائرة خلّفها جنونه كلما همّ بضربها وهو تحت سكر ذكورته.
هو اللحظة غريب بجسد قمري ، يدير رأسه يخلخله بحركة عشوائية يبحث عن نفض شريط تلك الصورة المريعة من ذاكرته، نحنح بصوته ، حاول أن يجد شيئاً مما بقي من صوت ذكورته ، لكنّه تفاجأ أن صوته يخرج هو الآخر رخواً طرياً أرق من صوت الرباب.
لحظتها سارع بخطف وهو يهرول جهة السرير واضعاً راحته على فيه، تلوى كأفعى دهستها عربة سكير فقد وعيه، دار على أصابع ذاكرته، نشبت في ذهنه رماح الأسئلة المبهمة
– أيعقل أن يتغير في جسدي كل شيء؟
صمت برهة ثم تابع جنونه
– كل شيء تبدّل……كل شيء يا إلهي
أعاد حزنه إلى الدّرجة القصوى من الوجع لعله يتحسّس شيئاً لم تصبه لعنة التحوّل في جسده ، وحينما لم يجد شيئا سقط منكمشا داخل جسده لتقفز من عمقه قهقهة هستيريه وهو يردد كمجنون فاجأته الذكرى :
ـ ههههههههههههههه إلاّ تفكيري لم يتغيّر….ههههههههههههه إلاّ تفكيري لم يتغيّر، أنا الآن أفكر كما كنت….تفكير رجل.
غالبته الدّموع الحارّة وهو يردد في هلوسته لتنزلق عبر زليج الوجه الرّطب حبات من دمع، أحسّ أن العالم كلّه يتمدد معاكساً له، لا شيء يجعل كلّ الذي يحدث معه حلماً….لا شيء إنه جدار الحقيقة التي لابدّ أن يصدمه حجره في نهاية المطاف
ـ الحقيقة أنّني مسخت إلى أنثى.
قالها بوجع كظيم وهو يبصر العالم على حقيقته ظلاً لشبح مهول يحاول طعن كبريائه دون تردد وهو الذي طالما تبجح باسم الذكورة وبقدرته على الإنتصاب وسط عواصف الرّخاوة التي امتلأت بها أجساد أولئك الذين يدّعون الرّجولة في حيّه، يرفع ساعده محاولاً الارتكاز على جدار خزانة أمّه ضاغطاً على قبضة يده وهو يردّد في سرّه:
ـ إنّه المأزق الذي لم أتخيّل يوماً أنّني سوف أجد فيه روحي عالقة حتى التّعري والعار, مالحلّ ياربي؟…ماذا عساني أن أفعل؟
ساوره وخز العار وهو ينكّس من عقيرته بعد أن تفطن لوجود ذاك المنبه اللعين الذي أيقظه ليجد جسده ملتحفاً جلد أنثى باق ٍكما تركه ملقاً على ظهره كسلحفاة عجوز, حدق في العقربين ، زاد في شدّة التّحديق، تذكّر أنّه اليوم الذي ستعود فيه زوجته من بيت أهلها بعد الغياب الذي دفعها إليه برعونته لتترك له كل شيء ليغرق وحده في وحدة البيت ، لتنسج في مخيلته العزلة بيتها، لا شيء سوى اليباس الذي ضرب أرض ذاكرته حتى تشلح فيها كل شيء مم جعله لا يبرح البيت إلا لقضاء حاجاته الضرورية من أكل وشرب، حتى تلك الأوراق التي تعوّد أن يسوّدها من حين لآخر بلون همومه لم يعد اليوم قادراً على مسِّها ، أصاب خياله قحط المدن المنعزلة ، ولم يعد يأبه بتلك الكتابات التي تعوّد إرسالها من حين لآخر لتلك الجرائد الرّديئة التي لم تكن توزّع بشكل منتظم في مدينته ,تحاصره تلك القوارير الفارغة من الخمر المحلي الذي تعوّد أن يقتنيه حتى يدفع بنفسه لهاوية النّسيان لعلّه ينسى غياب زوجته وليشعر بتلك النشوة التي لطالما فتحت له باباً من الحلم الأسطوري ليرى نفسه فارساً وفحلاً، يجتاح المدن وحينما يعود تنتطرنه كلّ نساء المدينة ليحبلن منه متى يشاء ، لطالما حدثته نفسه بأن لاشيء في رجل ذا قيمة أكثر من فكه السفلي الذي يجعله رجلاً تشتهيه النساء..
مدّة شهر كامل وهو لا يفعل شيء سوى كرع تلك الخمرة والكتابة بفحم احتراقه،يغمض عينييه محتضنا قارورة الخمر ثم يرفعها ويبدأ في كرعها دون توقف ، تجذبه لذة البياض ليترك سواد غبنه عليها لعله يجد لحظة للانعتاق والتحرّر من ذاكرته ومن العالم الذي طالما أحسّ بعدم التجانس معه ، وحيد ومعزول حتى في وجود جسد زوجته بجواره أمّا اليوم فهو يشعر إحساسا آخر ، إحساس موخز أكثر إيلاما من كل تلك الأحاسيس التي كانت تصيبه حينما يغط في سكره تاركاً ذاكرته مسرحاً لتلك الخيالات التي عرت جنونه أمام مابقي من صحو فيه، لكنّه كان يصحو كل صباحٍ بعد أن يهدّه النّوم مخموراً على أصوات هواجسه التي كانت تردّد تلك الأسطوانة المشروخة
” مامعنى أن تكون حالة بين الناس”
هو اللّحظة يتذكّر قهر تلك الليالي وتلك الخيالات لتنكشف له صورة رغبته في الإمساك بزوجته في ليلة غادرت فيها البيت وهي هاربة من بين يديه، يشدّها من شعرها يجرّها على بلاط الغرفة وهو يصيح ويرفسها بكل رعونة البداوة دافعا بكلتا يديه جسدها جهة الجدار ليفرغ نار عظمه فيها كلّما رفضت الانصياع لنداء ذكورته ، يغيب عنه السؤال لحظتها ولا تحضر سوى الرغبة المدفونة فيه وليبقَ العالم كلّه كماهو محسومة الدنيا في قاموسه ” الفحولة قبل كل شيءَ”؟…الأنوثة تعني الانبطاح…. وأنا بهذا الجسد الرخو لن أنبطح لأحد ، أموت ولا أفعلها،
لن أسمح لنفسي أن أكون في موقف أنثى لاتعرف سوى الانبطاح رافعة ساقيها لأي رجل حتى وإن كان زوجها…. سأتخلّص من هذا الجسد كلّه لن أنتظر لأعيش كحالة مبهم بينهن ” زوجتي تنتظرني كي أعيدها اليوم للبيت ، ماذا سيكون ردّ فعلها حينما تراني على هذه الشكل ، ماذا ستقول ، هل ستعرفني من خلال صوتي ، عفواً حتى صوتي تبدّل صار صوتا أنثويا لم يكتف جسدي بالتّحوّل بل تحوّل معه صوتي أيضاً ، كيف سأقنعها وأقنع كلّ هذا العالم بأنني أنا لست هذا الجسد الذي ترونه ، كيف؟ ” لا..لا لن أذهب لإعادتها للبيت
ارتعد، تحرّكت في شرايينه دماء الخوف والفجيعة وهو يسمع رنة جرس الباب, قال في سرّه لعلّها زوجتي قد عادت لوحدها، لطالما عودتني على ذلك كلّما شدّها الحنين لجنوني ، لا أعرف لما كانت رغم كلّ ما أفعله بها تعود صاغرة للبيت ، أعترف أنني كنت جلادها وعشيقها في الوقت ذاته، كنّا متواطئين في لعبة الجلاد والضّحية ، لكنّنا كنّا كلّما عاد الهدوء بيننا لتواجهنا الحقيقة المرّة ” مامعنى أن تستمر علاقتنا وسط هذا الجنون؟
تحسّس صوت رنّة الجرس التي لم تتكرّر أكثر من مرّة دافعاً نفس الخوف من رئته ، حدّق في الباب لعلّ رنّات الجرس تعاود مرّة أخرى ، لكنّه رمى في نهاية الأمر خطواته دون أن يبتعد عن نقطة الخوف التي تناسلت داخله كفطر برّي مسموم واضعاً أذنه على صدر الباب ليتصنّت لعلّه يستجلي أمر تلك الرنّة الهاربة ، فكّر أنّها قد تحاول فتح الباب بمفتاحها الخاصّ ، بقي جامداً ينتظر في خوف ، في نهاية الأمر لم يسفر انتظاره عن شيء ، لا أحد ، خمن أنّه لا يعرف أحدا في هذه المدينة ، منقطع عن كل الذين كان يعرفهم ، منذ اليوم الأول لزواجه لم يعد يسكن ذاكرته أحد حتى أقرب الناس إليه أمّه لم تعد موجودة سوى كذاكرة تسكن تلك الخزانة العتيقة التي ورثها منها ، رحلت هي الأخرى بلا رجعة عن عالمه ، إذا من يكون ذاك الذي كبس على زر الجرس وقفل هاربا؟
تساءل وهو يعود ماسحاً حبّات العرق التي تكورة عبر زليج وجهه المضاء ، حينما حانت منه التفاتة أخيرة لقفل الباب ربّما تكون زوجته ، أعاد السؤال نفسه في داخله، لحظتها قابله مظروف ملقى تحت الباب، هم بفتحه بلهفة الغريب الذي قطعت وجده غيابات البعد عن لقاء أهله، قرأه بتمعن وارتجاف، هذه المرّة الأولى التي يشعر فيها بتلاقي المتناقضة في داخله، تأكّد أن الرّسالة من زوجته حينما أمسكته تلك العبارة الصغيرة التي ختمت بها كلمات الرّسالة” لن أعود هذا الأسبوع، أو ربّما لن أعود أبداً لأنّ علاقتنا وصلت الى نفق مسدود”.
إمضاء زوجتك الوفية.
تداخلت الأسئلة في أنفاق ذاكرته،لم يعد يعرف طريقه للكلام ولا للصّمت لتعصف به عواصف برد الهضاب وهو يحدق في إمضائها ، محاولاً الاستدارة جهة المرآة لعلّه يتطلّع لتلك الحالة التي نحرت آخر نفس لرجولة فيه. كيف تكون هذه الزّوجة اللّعينة مخلصة وهي تعلن لي عن رغبتها في الخلاص من علاقتنا، وها هي لم تستطع حتى أن تكلّف نفسها مغبة المجيء إلي لتخبرني بذلك. لا….لا هذا غير معقول، كيف استطاعت أن تجد كلّ تلك الشّجاعة لأن تكتب تلك الكلمات وأن تقول رغبتها في انفصال عنّي وهي التي لم تقاوم يوماً ولم تقل شيئا حتى حينما كنت أطلب منها الرّحيل، أيعقل أن تكون هي من كتبت تلك الرسالة ؟
أعاد تقليب الرسالة وهو يجر حزنه ببطء الجريح ليتأكّد أكثر أنها هي من كتبت الرسالة ، حينما بان له خيط فجر الحقيقة وبأن الخط خطها بلا شك، حاول ان يغمض عينييه حتى لا تتراءى له صور الزلزال الذي فاجأه من حيث لا يدري لكنه في تلك اللحظة تذكر حالته الغريبة التي جعلته يبتلع نفساً مع هواء الساخن عابراً جفاف الحلق وأحراش ذاكرته، أدار رأسه جهة جدار الصّمت ليأخذ جرعة من السّكينة ، لاحظ قارورة الأمس لازالت مملوءة كما تركها ، ليقفز باتجاهها كأنّما مدّت له يداً وهو يصارع موج الحيرة والوجع، حملها بعدما كرع منها شربة طويلة العمر ليتمدّد على سرير حيرته منتظراً فرصة حلم قد ينمو في ذاكرته بصورة أقلّ وجعاً ممّا أصابه هذا اليوم جراء غياب زوجتها التي ربّما ستعود وربّما تكون أكثر منه شجاعة في قطع هذا الوجع الذي استمر أكثر من نصف عمر.

السابق
احتواء
التالي
نشأة علم المفردات

اترك تعليقاً

*