القصة القصيرة

رحلات الشيخ حمد الراسي

لم أجد شبيهًا لعمي أقرب من السندباد البحري، غير أنَّ رحلات عمي العجيبة كانت كلها بريّة.
ناهزت الخامسة عشرة من عمري، حين خرجت لأول مرة مع والدي، للبحث عن الشيخ (حمد الراسي) أصغر أعمامي، وشقيق والدي الوحيد من أبيه وأمه.
سافرنا من نجع حمادي بصعيد قنا (والنجوع في الوجه القبلي يقابلها الكفور في الوجه البحري، طبقًا لتفسير أبي ) متوجهين إلى محافظة مطروح، ومنها انتقلنا إلى سيدي براني، حتى بلغنا أطراف السلوم، وفي كل مكان ننزل فيه عند أقاربنا من الهوارة، الضاربين بجذورهم في أنحاء البلاد، نبحث عنه فيُقال لنا إنه شوهد هنا، لكنه اختفى قبل حضورنا بمدة. أمضينا بضعة أيام من البحث والسؤال بلا طائل، عدنا بعدها بخفي حنين، بنفس الترتيب لنتسلم عمي من قسم شرطة نجع حمادي، بعد ترحيله (كعب داير).
لا يُعتبر عمي (حمد) مجرمًا بالمعنى المفهوم، رغم حلوله ضيفًا على كل أقسام الشرطة، من ليبيا حتى نجع حمادي مرات عديدة، بل هو على العكس تمامًا رجل طيب، حلو المعشر حسن الخلق، حتى إنه تبرع بأرض ورثها عن جدي، وبنى عليها أحد الأهالي من الموسرين مسجدًا، ثم تقدما بأوراقهما إلى وزارة الأوقاف، التي ضمت المسجد إليها كالعادة، وعينت أحدهما خادمًا، والثاني مقيمًا للشعائر لجودة صوته.
غير أنه في شبابه أغراه بعض الأقارب فسافر للعمل بمعصرة زيتون في ليبيا، وشاركه السكن والعمل شاب سوداني جنوبي. أفاق عمي يومًا من النوم على جلبة شديدة، وصيحات عنيفة بلغة غير مفهومة، ورأى شابين ملثمين ترمي أعينهما بالشرر، يصوب أحدهما نحوهما مسدسًا، ويشهر الآخر خنجرًا حادًّا، يلمع نصله في ضوء المهجع الخافت. شد صاحب المسدس الأجزاء في عصبية بالغة مهددًا، ورغم رطانته العجيبة فقد فهم عمي مراده فانبطح على الأرض في الحال مقلدًا رفيقه، ووضع كل منهما يديه على رأسه معلنًا الاستسلام، ثم تقدم صاحب الخنجر فلوى ذراعي كل منهما خلف ظهره بقسوة، وأحكم شد وثاقهما معًا بحبل غليظ جلبه معه، بعد أن أجلسهما القرفصاء ظهرًا لظهر.
وبعد أن أشبعهما لطمًا وركلًا، وسبابًا لا يعي منه عمي حرفًا، ولا يدري له سببًا، نطق السوداني المربوط معه بعدة جمل بنفس اللغة الغريبة، زأر على أثرها صاحب الخنجر غاضبًا، ثم وثب فاحتز رأسه فجأة، غاب عمي عن الوعي حين أغرقته نافورة الدم المندفع من رفيقه كالشلال، بعد أن أصمّت أذنيه أصوات الطلقات، التي أفرغها الآخر في رأس الضحية البائس.
قضى عمي ستة أشهر بعدها في السجون الليبية رهن التحقيق، ثم ولدهشته الشديدة، قرروا فجأة الإفراج عنه، وترحيله إلى بلده.
خلال التحقيقات عرف أنّ الشرطة عثرت عليهما، بعد إبلاغ صاحب العمل عن غيابهما، وأنه ظل مغشيًّا عليه يومين كاملين من هول الصدمة. وعرف أنَّ الجريمة لم ترتكب بدافع السرقة كما ظن لأول وهلة، وإنما بدافع سياسي، وأنّ متعلقاته وأمواله (التي اختفت فيما بعد بطريقة غامضة) لم تُمسَّ أثناء الجريمة.
أصابت عمي من جرّاء هذا الحادث المرعب، حالة غريبة ظلت تعاوده كل عدة أشهر، يهيم بسببها على وجهه كيفما اتفق، بلا ذاكرة، ولا أوراق ثبوتية، ولا أموال، ناسيًا تمامًا من هو ومن أين جاء، راحلًا دومًا تجاه السلوم، حتى يرتطم بالحدود، كأنه طير مهاجر، يتبع بوصلة خفيّة مغروسة في غريزته التي فُطر عليها.
وعبثًا يبحث عنه والدي فيمشط المدن الساحلية، حتى يستدعونه في النهاية ليتسلم أخاه من قسم الشرطة بمسقط رأسه. في البداية كانت زوج عمي مقتنعة تمام الاقتناع بدافع الغيرة العمياء، بأنه قد تزوج عليها، طلبًا للولد الذي لم تنجبه له. وأنه يفتعل هذه الحالة الغريبة ليذهب إلى عروسه، فيقضي عندها بضعة أسابيع، ثم هدأت شيئًا فشيئًا، وراحت دون علمه تلتمس له عند المشايخ والدجالين، الأحجبة والأعمال التي لم تُغنِ عنها ولا عنه شيئًا.
وأخيرًا علمنا أنَّ طبيبًا نفسيًّا شهيرًا في القاهرة، يعالج بالتنويم المغناطيسي، اصطحبناه إليه بعد أن أقنعناه بصعوبة شديدة. وقد نجح هذا الطبيب من خلال الجلسات المتكررة في معرفة سبب الحالة، لكنه عجز عن شفائه منها تمامًا.
آخر غيبة لعمي طالت عن أخواتها، فقد نزل قريبًا من هضبة السلوم، وعمل مع أهلها صيادًا لفترة، ثم غادرها عائدًا إلى سيدي براني، حيث عطف عليه الأهالي وأحبوه فتوسطوا له ليعمل فراشًا بمدرسة، ثم خادمًا للمسجد الملحق بها، وكان بالجوار بئر ماء، تولى تنظيم السقيا منه وتطهيره، وتنظيف ما حوله، وحدث أن تشاجر معه أحد المدرسين الوافدين، فكسر عمي له ذراعه دون قصد، وحضرت الشرطة، لتبدأ عودته إلينا بطريقة (الكعب الداير).
كان هذا منذ عام كامل. فرحنا فيه باستقرار عمي، الذي بشّر بزوال الحالة واندماجه في حياته الطبيعية.
اليوم اختفى عمي (حمد الراسي) من جديد.

السابق
جهل
التالي
إكتشاف

اترك تعليقاً

*