قراءات

رحلة بحث عن الظل عن النور في نص “ليتني ظل”

للكاتب طارق ميلم

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

تتعدد أمنياتنا وتختلف آمالنا لكنها تجمعنا إذ تجعلنا نحيا ونستمر ونؤمن بأنه_ مازال على هذه الأرض ما يستحق الحياة_ وقد نتمنى أشياء متاحة يمكن تحققها بشيء من العزم والاصرار لكن يمكن أن نتمنى أشياء مستحيلة كأن نهتف مع الشاعر أبي العتاهية ليت الشباب يعود يوما أو نتمنى مثل الشابي أن تكون لنا قوة العواصف والأعاصير والأمطار أو نحلم بعودة الروح أو نتمّى أن نكون ظلالا كما في هذا النص الجميل إذ تمنّى الكاتب فيه ان يكون ظلا قائلا ليتني ظل فلم الظل تحديدا وأيّ ظل يمكن أن يتمنّاه؟ إن الظلال تتعدد تعدد الأشياء والكائنات وحتى المجرّدات ويعرف الظل في لسان العرب بكونه كل موضع يكون فيه الشمس فتزول عنه فهو ظل وفيء ونقول ظلّ الجنة ولا نقول فيئها إنما هي أبدا ظلّ و لذلك قال الله عزّ و جلّ : _أكلها دائم وظلّها _وقد جعل بعضهم للجنّة فيئا قيده بالظل يقول النابغة الجعدي: فسلام الإله يغدو عليهم __وفيوء الفردوس ذات الظلال _ وظلّ كل شيء شخصه لمكان سواده. وللغمام ظلّ ايضا يقول تعالى في سورة الأعراف : وظلّلنا عليهم الغمام _على هذا الأساس نتبين قيمة الظل وإيجابية معانيه وبناء على هذه التعريفات للظل نعتقد أن يكون الكاتب قد تمنى نفسه ظلا نافعا إذ لا يعقل أن يتمنى نفسه ظلا ضارا كظل جهنم المتمثل في دخانها الأسود يقول تعالى في سورة الواقعة: وظل من يحموم لا بارد ولا كريم _ وبما انه لكل جسم ظل فإن ظلالنا تتبعنا نقول دوما: فلان لازمني كظلّي_فالظل ملازم لصاحبه إنه يمثل صورة لأصل فهل نفهم من أمنية الكاتب أن يكون ظلا أنه يريد أن يهرب من الأصل ليغدو الصورة؟ لكن ما الفرق بين الأصل والصورة ونحن في مثلنا العربي المعروف نتساءل هل يستقيم الظلّ و العود أعوج؟ معنى هذا أن هناك تطابق بين الأصل والظل فلم التمني؟ لقد جعلنا الكاتب من خلال تنكير كلمة ظلّ في حيرة فكان يمكن أن يعرّفها بالإضافة كأن يقول _ليتني ظلّ شجرة _أ_ ليتني ظلّي_ كما يمكن أن يجعله مركبا شبه إسنادي حين يقول ليتني ظلّ للآخرين_ أو للأهل والوطن .. ويمكن أن يضيف للظل نعتا يقربنا من المعنى المراد كظلّ ظليل _.سنحاول إذن أن نسبر أغوار النص كي نميط لثام عنوان ملغز عميق و عميق جدا  يتواصل استعمال الكاتب للأسلوب الإنشائي في بداية النص إذ بعد أن استعمل في العنوان التمني نراه في أول نصه يستعمل الأمر_ قف _ فمن الآمر و من المأمور؟ انسجاما مع العنوان يمكن لنا أن نقول بأن المتكلم هنا قد يكون الظل يخاطب صاحبه ويأمره بالتوقف في إطار دعوته إلى لجظة تأمل ورحلة بحث عن الذات و لعلّ أجواء النص الوجودية المعبرة عن الحيرة تؤكد هذا المعنى وقد جسّد تواتر الاستفهام تلك الحيرة مثل _كم تبعد الآن ؟ _و _هل ستعثر عليك؟ _ أو _هل عثرت عليك؟ أسئلة تنم عن حالة ضياع تعيشها الذات هي حالة انكسار ناتجة عن انفصام بين الذات هي الأصل والظل وهو الصورة …إن هذا الانفصام عبر عن تمزق داخلي وتأزم نفسي عبرت عنه تلك الأساليب الإنشائية الطلبية جيدا لأنها قادرة أكثر من الخبر على تجسيم انفعالات الذات وتوتراتها يأتي الخبر مباشرة بعد الأمر قف ليوضّح لنا بعض ملامح الشخصية المتكلمة: _قد بعثت كاتبا وشمعا وليال مقدسة __ _من خلال هذه الجملة التقريرية نتبين رؤية كاتب هذا النص للكاتب عموما أنه مبعوث بعثا شبيها ببعث الأنبياء يحمل رسالة نبيلة للبشر تقوم بتوعيتهم وإنارة دروبهم وإخراجهم من ظلمات الجهل بجمال الحرف إلى نور الكلمة والأدب ولعلّنا هنا نستحصر صورة الشاعر النبي عند الرومنطيقيين أمثال جبران خليل جبران وإيليا اأو ماضي وغيرهما.. والكاتب شمعة طبعا أليس شمعة مادام ينير الدرب و يضيء كل معتم في الحياة؟ أن ما يكتبه فيه التزام بقضايا الإنسان والإنسانية وتلك وظيفة الكاتب وذاك هدفه الأساسي السّامي وما ليالي الإبداع التي يمضيها مفكّرا معبّرا الا ليال مقدّسة يغدو فعل الكتابة فيها عبادة ويصبح المكتوب وحيا يوحى …. وفي النص إشارات عديدة إلى هذا المعنى أقصد النبوءة وقداسة اللحظة من خلال معجم ديني استعمله الكاتب بكثافة: يوسف _ الأنبياء _ نبيكم _ هداكم الله.
 كما ينقل الخبر حوارا باطنيا بل هو ثنائي بين كاتب وظلّه يعكس حيرة الشخصية وحالة التأزم التي تعيشها إذ فيه تأكيد على لوم وتقريع وجلد للذات إنها لحظة محاسبة واتهام صريح وصل حدّ التأثيم فهذا الكاتب قد حاد عن الطريق وتاهت مواضيعه عن شريعتها وضلّت عن سراطها المستقيم وما أكثر الكلمات المحيلة على الضياع: _منفاك _البعد _هاوية _الفراغ _الموت ..إنه إحساس الكاتب بالعدم أمام تفاهة مواضيع صار يكتبها واهتمامه باللاشيء وترك ظلال تلاحقه بات لا يهتم بها هي ظلال المظلومين الكادحين و الوطن الحزين ……..
هي رحلة بحث إذن عن الظل عن النور: ظلّ الإله: الكاتب والشمعة والليالي المقدسة وهي دعوة بضرورة الاستفاقة تذكّرنا بمقاطع من رائعة الشاعر الفلسطيني محمود درويش _مديح الظل العالي _ حين يقول: وأسحب ظلالك عن بلاط الحاكم العربي حتى لا يعلقها وساما _ و اكسر ظلالك كلّها كي لا يمدّوها بساطا أو ظلاما _وحدي أراود نفسي الثكلى فتأبى أن تساعدني على نفسي _سقط القناع عن القناع ولا أحد إلاك في هذا المدى المفتوح للأعداء والنسيان _فاجعل كلّ متراس بلد _وقد سقط القناع عن القناع فعلا في هذا النص الباسق الوارفة ظلاله الباعث إلى الحيرة والتفكير والبحث والسؤال عن حقيقة ظلالهم وظلالنا وعن العلاقة بين الظل والإنسان وبين المقدّس والمدنّس والقبح والجمال وسنظلّ نردد مع نصّ _ليتني ظل_ ومع قصيدة _ مديح الظل العالي_: _كلّ أسئلة الوجود وراء ظلّك مهزلة ……

مع فائق تحياتي وتقديري لقلم الكاتب طارق ميلم.

السابق
قراءة نقدية في نص “رفق”
التالي
لعبة قذرة…

اترك تعليقاً

*