القصة القصيرة جدا

رحلة مدفوعة إلى الجحيم

ترقَّبَه وراقبَه حتى ترك عينيه في كل مكان من الممكن أن يكون فيه، عد عليه أنفاسه وصاحب ملائكته وشياطينه وأصبح أقرب إليه من لسانه وقلبه. أحس صاحب القرون الطويلة أنه ممسوس. رغم جاهه وسلطانه وجبروته وإحساسه الدائم بالقوة وأنه يحيي ويميت وقادر على منع الشمس عن البشر الذين يلقيهم في غيابات سجونه بلا رحمة. ويهب الحياة لمن يعفو عنهم ويدخل الجنة من يقربهم منه. قالها مدوية. لا أريكم إلا ما أرى وبنى صرحا ليحارب السماء ويتحدى الملك والملكوت. شعر بالخوف، تملكه شعور أسود أن حبلا رقيقا عنيفا حادا يُلَفُّ برفق حول رقبته المحصنة. حضر المنافقون والتابعون والعبود على صرخته المدوية، طلب منهم القضاء على الشيطان الذي يتتبعه. تغامزوا وتلامزوا. وهل تهاجم الشياطين بعضها الآن! ما هذا الزمان؟ وعد من ينصره بالقربى والحظوة ومتعة دهس العبيد وشرب دماء الأحرار على الإفطار. انطلقوا في كل شارع وفكرة وكلمة يبحثون عن الرقيب المراقِب، لكنه كان أقرب له مما يتصور. وقف المتعملق المتألِّه يراقب أنهار دماء الشك تسيل تحت قدميه. كان وحيدا في صرحه لا تقربه سوى الحشرات. فاجأه الإنتحاري بهجوم شبحي، دار حوله كالنحلة وهاجمه كالبعوضة. انتفض يطالب عبيده بإنقاذه من المهاجم المجهول. في لحظة غطرسة جديدة وقد دانت له الخلائق المذعورة وانهارت أمام كلابه عزائم المتردية والجبناء هاجمه الشبح الناري في قلب كبريائه فأحدث ثقبا جديدا في مؤخرته جعل كل الروائح الكريهة تتسلل إلى من حوله فيبتعدون رغم تهديداته التي لا تنتهي. في لحظة تراجعه انفرد به. تذلل صاحب السلطان وخضع وخنع. وعده بنصف الملك وكل النساء. ابتسم له بشفتين محترقتين من نار ظلمه ووجه متيبس متعفن من طول انتظاره وأنياب حادة مسنونة على آلة الصبر. انقض عليه كالحوت القاتل حين يظفر بكلب البحر. مزق أجزاءه كالتمساح واخترق ذاته كالرياح. وصل إلى روحه أخيرا فاحتضنها وارتمى بها سبعين خريفا في جوف النار المشتعلة.

السابق
ميراثٌ
التالي
ذكرى

اترك تعليقاً

*